من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٧٤بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
يكون ذلك الجهاد لإعلاء كلمة الله وطلب مرضاته. وتخصيص ذكر الجهاد دون بقية الأعمال الصالحة الأخرى لأنه المحك الحقيقي للإيمان الصادق من الإيمان الزائف ولذلك جاء التعقيب بقوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات، 15]، لا غيرهم، ونظير هذه الآية في سورة الصف بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تَجَارَةِ تُنجيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) [الصف، 10 - 11] ثم بين الله أوجه تلك الخيرية نتيجة للجهاد فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتٍ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأَخْرَى تُحِبُونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)} [الصف، 12 - 13].
إنه النصر على الأعداء والتمكين في الأرض بالعرة والسلطان وهو الجزاء الدنيوي العاجل، يعقبه النعميم المقيم في الجزاء الأخروي ومغفرة الله ورضوانه. ونلاحظ أنه كلما ذكر الجهاد في القرآن كما في هاتين الآيتين، إلا ونجد المال مقدما على الأنفس. لأن المال هو قوام القوة المطلوبة لمواجهة العدو في أمره تعالي للمؤمنين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قَوَةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللَّهِ وَعَدُوكُمْ﴾ [الأنفال، 60]. وإننا في ختام هذه الآية الكريمة نهيب اليوم بالدعاة إلى الله أن يسترشدوا بما ورد في هذه الآية من الأساليب الحكيمة في النصح والإرشاد وهم لا يواجهون كفارا ولا مشركين، بل يواجهون أمثالهم من إخوانهم المسلمين، ليس لهم من
ذنب إلا أنهم يخالفونهم في الرأي أو الانتماء المذهبي، فليكونوا مبشرين
منفرين، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه.
لا
74
والله اعلم -