من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٧٣بيان عناصر الإيمان الصادق
وحين قال الأعراب بألسنتهم «آمنا» أجابهم الله بحقيقة ما في قلوبهم من الشك والارتياب، وأنَّ المظهر الذي بدوا عليه أمام رسول الله إنما هو الإسلام فهم في أول السلم يتدرجون، فلماذا جاؤوا «يمنون» وقوله تعالى: ﴿وَلَما يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات،14]، يدل على انتفاء الإيمان الصحيح من قلوبهم إلى زمن الأخبار. وقد عرَّف الرسول كلا من الإيمان والإسلام في حديث جبريل عليه السلام حين قال للرسول: أخبرني عن الإيمان فقال رسول الله الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وأما عن الإسلام فقال: الإسلام أن تشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت
إليه سبيلا.
وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات، 14]، فأي سياسة حكيمة تأخذ بأيدي هؤلاء إلى حظيرة الإيمان الصحيح،
فحسبهم ذلك الإسلام الذي يفصلهم عن الكفر، فيرشدون إلى الإيمان المطلوب. إنه الإرشاد الإلاهي الذي لا ينفر، إذ أنه لا يبخس أي حق مهما ضؤل، بل هو الغفور الرحيم لمن تاب إليه وأناب وفي اختيار هاتين الصفتين للذات العلية تحريض لهم على الإيمان الصحيح الذي بين الله عناصره الأساسية بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبيل اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات، 15]، صدرت الجملة «بإنما» لإفادة الحصر، وهي تبين العناصر الأساسية للإيمان الكامل الصحيح المطلوب وهي: أ ـ أن يستقر الإيمان بالله ورسوله في قلب المؤمن استقراراً متمكنا ثابتا ويقر به اللسان في صدق وإخلاص.
ب ـ أن لا يتطرق إليه أي شك وارتياب في الحال والاستقبال؛ وقد أفاد ذلك العطف «بثم» التي تدل على التراخي، أي لا يتطرق إليه أدني شك بعد أن يستقر في القلب. ج - وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبيل الله} [الحجرات، 15]، والجهاد في سبيل الله بمفهومه الواسع هو البرهان القاطع على صدق ذلك الإيمان، بحيث
73