من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٧٨

بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة

عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وللدلالة على شدة إلحاحهم في الاستدلال على خلوص إيمانهم لإقناع الرسول بذلك جيء بصيغة التفعيل في قوله تعالى: {أَتُعَلِّمُونَ الله بدِينِكُمْ، ثُم قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَل الله يمن عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في ذلك إشارة إلى موقف بني أسد

حين جاءوا إلى رسول الله بعيالهم وذراريهم وقالوا له::: لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان امتنانا منهم على رسول الله بإسلامهم، فرد الله عليهم بهذا الرد اللطيف الذي يردُّ فيه المنة كلها الله وحده أن أرشدهم إلى الإيمان إن كانوا صادقين في ما يدعونه، وسماه الله إيمانا مجاراة لزعمهم، وإلا فإن الإيمان الحقيقي متى تحقق في عبد من عباد الله، فإن المنة في ذلك تكون الله وحده، إذ أنعم على عبده بتلك الهداية، ويعود نفعها على صاحبها، لا على الرسول الداعي وقوله بَل الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} فيه إيذان بأنه تعالى سيمن عليكم بذلك

متى شاء.

ثم في ختام السورة احد الله تعالى علمه بكل شيء فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، أكدت الجملة بإنَّ لأن المتحدث عنهم لم تكتمل بعد في عقولهم الصفات الكاملة للألوهية الحقة وقد خصص هنا علم الغيوبات على علمه الشامل المذكور فى الآية السابقة من باب ذكر الأخص بعد الأعم ليكون أنسب بيان بصره تعالى بأعمال عباده ليحاربهم بها إن -

خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وفي قوله: تعلمون قراءة بياء الغائب «يعلمون».

والله اعلم –

78