من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٨٩علم الله بأحوال خلقه ووعيد المناجين بالسوء
وفي الواقع المعيش من التركيبة البشرية في المدينة المنورة، فإن المنافقين لا ينفكون عن مراوغة المسلمين وإغاظتهم باستعمال ذلك الأسلوب الخسيس من التناجي فيما بينهم. إذ يلتقون في مجموعات تقل أو تكثر وهم لضعف عقيدتهم في الله أو لانعدامها تماما يتوهمون أنَّ النجوى لا يسمعها أحد غيرهم. فنبههم الله إلى ذلك الاعتقاد الزائغ وأخبرهم بأنه تعالى يعلم سرهم ونجواهم وهو معهم أينما كانوا. وعلم الله لا يعتريه النسيان بطول الوقت كما يحدث للبشر، كما قال تعالى: أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ} وهنا يقول: ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، ففى ذلك الإنباء بعد تقادم العهد تأكيد لديمومة علم الله وشموليته بما يلزم الحجة ويضع المكلفين أمام مسؤوليتهم ولهذه الآية نظائر في القران الكريم
لقوله تعالى:
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَامُ الْغُيُوبِ،
[التوبة، 78]
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}،
[الزخرف، 80].
بل إنَّ علم الله بأحوال عباده لا يقتصر على المنطوق باللسان والمتصرف بالجوارح، ولكن ينفذ إلى مكامن السر في أغوار النفس وحنايا الصدور، فيقول
تعالى:
- يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}، [غافر، 19]. ب - وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، [ق، 16] فإذا كان من صفات الله الحسنى أنه سميع بصير، وأنه عليم خبير ولخلقه رقيب حسيب، وهو تعالى ينبئنا كيف يكون في موقف الحساب شاهدا على نفسه، ويشهد عليه لسانه وجوارحه بما كان يعمل إذا ما حاول الإنكار وكيف تعرض عليہ صحائفه فيقال له: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، [الإسراء، 14].
قلت: إذا كان الله يخبرنا بما ينتظرنا في ذلك العالم الغيبي العجيب من أمور لا تكاد عقولنا تعيها ولا نكاد نستوعبها إلا بالإيمان الصادق، فإن ما
89
68