من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٨٨بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ج البيان والتفسير:
يعد بيان حكم الظهار في مفتتح السورة الكريمة، وذلك في إطار المحافظة على استقرار الأسرة المسلمة وصيانتها من عوامل التفتت والانهيار. انتقل السياق إلى معالجة أوضاع المنافقين ومما لأنهم لليهود في إذاية المسلمين ووضع العراقيل في مسار الدعوة الإسلامية تجاه الوعيد الشديد للذين يحادُّون الله ورسوله، وقبل أن يتطرق إلى ذكر بعض أحوالهم في معاملة المسلمين، مهد لذلك بذكر عنصر هام من عناصر العقيدة الإسلامية في بيان الصفات الواجبة للذات العلية من العلم الكامل المطلق الذي يحيط بكل ما في أرجاء الملكوت. ويطلح على أعمال خلقه ويحصيها عليهم فلا تخفى منها خافية. ثم يجازيهم عليها إن خيرا أوشرا. لأن ربط الأعمال والسلوكات بالعقيدة يجعلها أوثق حظا في التطبيق والتنفيذ وأدعى إلى الطاعة والانقياد. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةِ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةِ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة، 7].
الله
الخطاب لرسول الله ولكل قارئ القرآن والاستفهام تعجبي، والرؤية علمية، وجملة «يعلم ما في السموات» سدت مَسَّدَّ المفعول، فالحياة والعلم والقدرة من الصفات الواجبة للذات العلية. وقد كان مربونا في الكتاتيب رحمهم - يلقنون لنا منذ نعومة أظفارنا أصول العقيدة الإسلامية بأسلوب بسيط وفق مداركنا فيقولون لنا مثلا في شأن علم الله المحيط يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصَّمَّاء في الليلة الظلماء … يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة.
وفي هذه الآية الكريمة يضع الله القاعدة العامة لعلمه الشامل المحيط الذي يسع السموات والأرض وهي في المصطلح القرآني كل ما في الكون مما نعرفه وما لا نعرفه. ثم يمثل لذلك بما هو من واقع حياتنا ومألوف أحوالنا. فيذكر منها ما هو أدعى إلى الستر والإخفاء مما يدور - أحيانا- بيننا من التناجي، أي المسارة بالكلام الحفي مهما تكن الدوافع إلى ذلك.
88