من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٩

نحن بازاء سورة مدنية من نوع المفصل أو المحكم، لا تتعدى آياتها ثماني عشرة آية، وهي السورة الثامنة بعد المائة في ترتيب التنزيل، والتاسعة والأربعون في ترتيب سور المصحف الشريف، نزلت بعد سورة المجادلة سنة تسع للهجرة. سميت بالحجرات) أي حجرات أزواج رسول الله التي ورد ذكرها في أول السورة، في قصة وفد بني تميم كما سيأتي في التفصيل

(

وفي السنة التاسعة من الهجرة عرف المد الإسلامي في جزيرة العرب توسعا كبيرا، انداخت دائرته إلى أطراف حدود الجزيرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وقد دانت أم القرى مكة المكرمة لحكم الإسلام بعد الفتح المبين ودخل الناس في دين الله أفواجا. ولئن تبلورت النقلة الجديدة بالتربية الإسلامية الفضلى، وفي ذلك الرعيل الأول من صحابة رسول الله، وتجسدت في واقع حياتهم اليومية أحكام الدين الحنيف وتمثلت الأخلاق القرآنية في إيمانهم الراسخ وسلوكهم الطاهر النظيف، فإن من سماهم المؤرخون مسلمة (الفتح ما يزالون مثقلين بذلك الركام من التقاليد والعادات الجاهلية، يرزحون تحت وطأة العنصرية القبلية بكل ما تعنيه الحمية الجاهلية والنخوة الطائفية، مما يتطلب مزيدا من الإرشاد الحكيم والتوجيه السليم. وقد تضمنت هذه السورة الكريمة إرشادات وآدابا في تنظيم شؤون المجتمع، وتمتين الروابط والعلاقات بين جميع أفراده، وذلك بإزالة أسباب البغضاء والشحناء مما ينزعه الشيطان وأعوانه بين الناس. ثم صيانة تلك العلاقات بالأخوة الدينية وتأمينها من أي انصداع.

والسورة على قلة آياتها تضع المعالم المحددة لمجتمع فاضل لا تتصادم فيه العلاقات، ولا تند الرغبات عن حدود الآداب مع الله ورسوله أولا، ثم مع الخلائق

9