إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٢اليأس، واعتزال العمل، يكتب ابن عربي مثلاً: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا»، (تنبئة الغبي السيوطي، ص 114)، ويكتب السبكي: «الله الله في ألفاظ جرت عن بعض سادات القوم لم يعنوا بها ظواهرها، وإنّما عنوا بها أموراً صحيحة»، (معيد النعم، ص 124)، إذن هناك مسافة واضحة بين ظاهر الألفاظ، وما يريدونه من بواطنها، والشيخ ناصر يخوض معهم في هذه الألفاظ، ولا يريد بها الظاهر البتة، فما العمل؟ وحين قرأ قول القشيري: « … وهذه الطائفة يستعملون ألفاظاً فيما بينهم، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم، والإجمال والستر على مَنْ باينهم في طريقتهم؛ لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب، غَيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلّف، أو مجلوبة بضرب تصرّف، بل هي معان أودعها الله تعالى قلوب قوم، واستخلص لحقائقها أسرار قوم (الرسالة القشيرية (2001)، أقول: حين قرأ قول القشيري، ومعه إعراض بعض الشيوخ عن تدريس هذا العلم للجمهرة من الناس بحسبان أن «ما هذه طريقة القوم، لا من دنوا ولا من نأوا من جاع جوع القوم وسهر سهرهم رأى ما رأوا (قمع المعارض، السيوطي، ص 84).
حين قرأ ذلك كلّه أدركه اليأس، ولا سيما عندما يلمس من الشيخ ناصر تبحر في هذا العلم، وسلوك متين فيه، فكأنه استوفى ما قرره السابقون، فهل يعتزل العمل أسوة بغيره من (المعتزلة)؟ وفاء إلى العقل يحاسبه حساباً عسيراً، ويسأله عن أولئك الباحثين الذين اقتربوا من (التصوف)، هل وفّوا بتلك الشروط جميعها، وأهمها شرط (التسليك)؟ ويأتي الجواب بالنفي، وممّا يقوّي ذلك النفي مدارسة جمهرة واسعة من المستشرقين لهذا العلم من حيث تحقيق نصوصه، أو الكتابة فيه، وهم على دين آخر، ويخص بالذكر منهم أربعة هم الأساتذة نيكلسن، وماسينيون، وجولدتسيهر، وآربري الذين شاركوا مشاركة قيمة في درس هذا الجانب العميق من الفكر الإسلامي، فقلب الأمر عندئذ ظهراً لبطن، وأخذ بأحزم الأمرين، واقترب من الكتاب قارئاً أولاً، ومستكشفاً ثانياً، ومتأملاً ثالثاً، وفاتحاً بعض مغاليقه رابعاً، وواضعاً كثيراً من إشكالياته في مواضعها أخيراً، يعينه على ذلك صبر على فهم النص، ومصادر ومراجع هي أشبه بصوى الطريق وضحت رؤيته، وسهلت سبيله، ولم يكن بالإمكان إتمام هذا العمل بغير الرجوع إليها.
12