إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١١غير
سبقته، وليس الهمّ عندئذ سوى الأخذ من تلك الشروح، والتعويل عليها، والتسويد منها، أنَّه تنكب ذلك الطريق اليسير الواضح، وعمد إلى آخر أصعب، وراد فلاة لم تطأها قدم قبله، وأراد لنفسه التفرّد، وتجلية قناعاته الفكرية، فنخل التائيتين مدارسة ونظراً، ووصل إلى أنهما واحدة، لا يمكن فهم الأولى بمعزل عن الثانية، ولن تتحقق الفائدة المطلوبة من الثانية وهي مبتورة عن أختها الأولى، فبدأ الطريق من أوّله وفق رؤية خاصة لم نجد لها سابقة، فبدأ من أبيات الصغرى لينتهي منها، ثم يستأنف مع أبيات الكبرى ليستوفي شرحها أيضاً، ويسبق ذلك كله استخلاص رحيق القصيدتين، ومكامن الجوهر فيهما ليجعل من ذلك الرحيق أبواباً وأجزاء، ومقدمات ينضوي الشعر والشرح معاً تحته، وليس العكس كما فعل غيره من الشراح؛ فكأنَّ الشيخ هنا ليس شارحاً بقدر ما هو مؤلف مبتكر، جعل مادته الخام نص القصيدتين ليقول من خلالهما أشياء كثيرة.
ومن هنا نستطيع تفسير تلك الوقفات الطويلة التي تأتي على هيئة الاستطراد ليشرح مصطلحاً، أو يجلّي الحديث عن مرتبة بلغتها الحقيقة المحمدية، أو يفسر آيات من كتاب الله العزيز هي داخلة ضمن النسيج العام للكتاب توضيحًا للباب، أو الفصل الذي قسم الكتاب بموجبهما منهجياً، نعم، ليس ما بأيدينا شرح للقصيدتين، ولو رأيناه كذلك فسيصيب هذا العمل الكثير من الظلم والحيف وبين أيدينا جمهرة من الشروح سيأتي بيانها لم تصنع صنيعه مع أنّه متأخر عنها بوقت طويل، فقد كان مقصد تلك الشروح الشرح وحده، أما غاية الشيخ هنا فهو تأليف كتاب في (التصوف) على مصطلح القوم هناك، و (السلوك) على مصطلح القوم هنا، وقد تحقق ما أراد فكان هذا الكتاب.
هذا ما كان من أمر الشيخ الجليل وكتابه، وهو مَنْ هو رسوخ قدم في (السلوك)، وتعمق نظر في فنونه ومسالكه، ولكن ما حال المحقق الذي افتقد الطمأنينة في كثير من مراحل العمل على ما رأينا سابقاً؛ بل بدأ يفقدها حال شروعه فيه على ما سنرى؟! أما ما لم يكن في حسبان شيلر، ولم يتطرّق إليه أرسطو فهو أمر آخر هو اللبّ في هذا العمل كلّه، ويحق لهما أن لا يذكراه؛ فهو ليس من عملهما، وإن يكن الطرف الثالث – ونعني به جيته – قد ألم به إلماماً قليلاً، وليس الديوان الشرقي للمؤلف الغربي ببعيد عنا، ويتمثل ذلك اللب في العلم نفسه، أو الفنّ، وهو التصوّف، أو السلوك؛ فالمحقق يقرأ في كتب القوم ما يدعو إلى
11