إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ١٩

أما فتاواه وآراؤه الفقهية فهي كثيرة جداً (1)، وقد أشار الفاضل مبارك الراشدي إلى أن للشيخ ناصر أجوبة كثيرة لم يعتن أحد بجمعها وإخراجها حتى الآن، ومنها مجموعة أجوبة أرسلها إلى الشيخ سعيد بن يوسف المصعبي بالمغرب) (2)، إن ذلك كله وغيره كثير يشير بقوة إلى سعة المعارف التي حصلها الشيخ ناصر، وأفاد منها فيما بعد في تأليف كتبه من جهة، ومعالجة الأحداث التي شارك فيها من حيث التوجيه والنصح من جهة أخرى؛ ويعجب المرء من قدرته على التوفيق بين شغفه العلمي، ومشاغله الدنيوية التي قصد منها - حسب اجتهاده - إقامة الشرع، ونشر العدل، ولا شك أن هذا يعني انصرافاً تاماً للعلم مع اهتمام بالحياة، وشؤونها مما حقق ذلك التوازن بينهما. والذي دعا إلى هذا الكلام ما رأيناه من اهتمام الشيخ ناصر ووالده بالأحداث السياسية التي جرت بعمان فقد كانا مشاركين فيها بفعالية واضحة، وهذا ما حدا بصاحب التحفة إلى أن يكثر من النقل عنهما وهو يدون تاريخ عُمان (3).

وقد ظلّ الشيخ ناصر مشتغلاً بالعلم إلى آخر حياته، عرف له معاصروه، ومن أتى بعدهم تلك المنزلة العلمية التي وصل إليها كما سنرى فيما بعد، ويبدو أنه ظل مستقراً في بلده العلياء التي ولد فيها حتى بدأ في الانتقال منها إلى أماكن أخرى، ونراه يصل إلى نزوى، وفيها ألف كتابه مدار حديثنا، وهو إيضاح نظم السلوك، ويظهر من فقه الأحداث أن معيشته فيها كانت أقرب إلى الضيق منها إلى السعة، وقد صوّر بنفسه معيشته خلال بيتين أوردهما صاحب التحفة هما:

معيشتنا خبز لغالب قُوتِنا وماء وليمون وملح وقاشع (4)

و (5)

تلك

من

فإن حصلت مع صحة الجسم والتقى فيا حبذا هذا بما هو قانع وهما – بلا شك – يعبّران تعبيراً دقيقاً عن تلك الحال الضيقة التي آل إليها، غير أن

(1) ينظر على سبيل المثال الفتح المبين، ص 103 وما بعدها. (2) بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي، ص 118. (3) ينظر تحفة الأعيان في مواضع متفرقة، وخصوصاً 2/ 147 و 162، وهناك تفصيلات أخرى تهم المؤرخ يراها

القارئ مبثوثة في التحفة.

(4) القاشع بلغة أهل عمان نوع صغير من السمك، ينظر إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان، الشيخ الحارثي،

ص 108.

(5) تحفة الأعيان، 2/ 175.

19