إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٢٦مدلول المصطلحين إلى حد كبير من حيث إن السلوك هو التطبيق العملي لجملة الأفكار التي آمن بها السالك وراح يطبقها على نفسه، ويبدو لي أن هناك أسباباً حدت بالفكر الإباضي إلى العدول عن مصطلح التصوف وتفضيل مصطلح السلوك عليه؛ منها الاعتزاز بالشخصية، والرغبة في التميز؛ فجميع الفرق - إلا في حالات نادرة (1) ـ تتخذ المصطلح شعاراً لها، فآثر الفكر الإباضي مصطلحاً هو من داخل التصوف نفسه غير أن له خصوصية واضحة فاتخذه مصطلحاً له.
من
هذا
و سبب ثان استضأنا فيه بملاحظة أوردتها الدكتورة سعاد الحكيم وهي قولها: «ولم يهتم الصوفية قبل القرن السابع الهجري بتدوين مصنفات في السلوك بل دونوا في الفكر الصوفي وعاشوا وفقاً للسلوك الصوفي، ولم تتعدد المؤلفات في التصوف العملي والسلوك إلا بعد القرن السادس – السابع الهجري حيث دخل التصوف مرحلة التربية الصوفية ومناهج التسليك» (2). فكأنَّ الفكر الإباضي أراد في وقت متأخر أن يشارك في هذا الموضوع فوجد أمامه نقصاً في جانب ووفرة في (3) جانب آخر فآثر الأول لكي يزيده ثراء وخصوبة. وهناك سبب ثالث أكاد أذهب إلى أنه أهم الأسباب وأقواها ويتمثل في كون السلوك ومدلوله العميق يشير إلى النقاء الذي ظل محتفظاً به من حيث التحامه الوثيق بالشريعة وأحكامها ورغبة الإنسان في اتخاذ طريق معين لعبادة ربه يتمثل في الخلوة، وتلاوة القرآن والأوراد فحسب، في حين اختلط التصوف ومدلوله بمؤثرات أجنبية أبعدته عن منبعه الصافي، وهو الزهد، وأدخلته في مسارب فكرية متشعبة أوصلت بعض الفقهاء إلى اتهام بعض الصوفية بالكفر، وهو ما نأى الفكر الإباضي بنفسه عنه، واكتفى بالسلوك منهجاً وطريقة وتفاعلاً مع الحياة وأحداثها (4).
(1) تحدث الدكتور عمر فروخ عن الغرباء والسياحين والنورانية، والمقربين، وهي مصطلحات مرادفة للمتصوفة غير أنها لم تنتشر كانتشار التصوف والصوفية، ينظر كتابه التصوف في الإسلام، ص 25، ويشير د. كامل الشيبي إلى أنّ الزهاد في الشام يسمون جوعيين، ينظر كتابه الصلة بين التصوف والتشيع، 1/ 339، ومعلوم أنّ الجوع
واحد من وسائل المتصوفة للوصول إلى الحقيقة مثل العزلة، ولبس الخشن من الثياب وغيرها. (2) المعجم الصوفي، ص 712. (3) من المهم أن نشير هنا إلى أن هذا الجانب بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث كي تتضح الصورة ويستقيم المنهج، وليس هذا موضعه.
(4) ومما يساعد على هذا تأكيد القشيري أن كل شريعة غير مقيدة بالحقيقة فغير مقبولة، وكل حقيقة غير مؤيدة (بالشريعة فغير مقبولة»، ينظر الرسالة القشيرية 1/ 261، ولم يقل القشيري هذا الكلام إلا بعد رؤيته أناساً من الصوفية يتخففون من الفرائض، ويذهبون في كلامهم مذاهب توحي بالخروج على أحكام الشريعة.
26