إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٦٤٦كمال الله لا غير، ولكن بقدر ما تحتمله عقولهم ممّا يتجلى عليهم، وكمال الله لا نهاية له، ليس هو مقدار ذلك التجلي، وكفى دليلاً وشاهداً على ما قلناه آية موسى، وتجلي الله على الجبل، فاندك الجبل وخرّ موسى صعقاً، ولم يصعق من آية العصى، وانشقاق البحر، ولم يصعق النبي بجميع ذلك، وهو من فيض بحر كماله، ولما صح أنّ كلّ كمال من كماله، وهو من كمال الله تعالى ومن طاعته بطاعته. وقال الكمال في حضرة أحدية جمعي: قال الله تعالى: ولما أكملت ذاتك، وبلغتك المقام كما كنت فيه يوم كنت نوراً في أول الإيجاد فكنت أول العابدين وأول، العارفين وأول المتكمّلين، وأول الكاملين، وكذلك كان كمالك في ظهورك، فبدأت أولاً، وعدت بعدك بإمدادي من فيض بحر جمالك وكمالك على ذات كل عالم ولي قابله ذاته لتجلي نوري عليها، وقبولها على حسب الأفعال في كل مدة، أي في كل عصر وزمان أنت فيه، أو جاء قبلك، ويأتي بعدك، فالكل أنت سابقهم، وأولهم، وسيدهم، وقدوتهم، والشاهد لهم.
قال:
715 - ولولا احتجابي بالصفات لأحرقت مظاهِرُ ذاتي من سناء سجيني يقول: وقال الله تعالى في تلك الحضرة ولولا احتجابي وأراد هنا بالاحتجاب بعض معناه؛ لأنه لا يجوز أن يوصف الله أنّه احتجب عن خلقه، ولكنّه أراد: ولو تجليت بكمال صفاتي بأكثر مما تجليت بالصفات لأحرقت مظاهر، أي ظهور كلّ [139 ظ] صفة من صفات ذاتي جميع الوجود، وتلاشى من سنا، أي نور سبحتي، وهذا هو ما روي عنه: [أني بلغت من تجلي كمال الله على ذاتي مبلغاً نوديت فيه يا حبيب الرحمن لو تقدّمت بعد ذلك بقدر نملة لأحرقتك سبحات وجهي وقد بلغت طور كمال المخلوقين فلا قدرة ولا طاقة لأحد بعد ذلك بأن أتجلى له بالمعرفة أكثر من هذا فقف مكانك] (1)، وفي النظم ما يدلّ عليه أنه لم يرد هنا لاحتجاب الله هو محتجب؛ لأنه يكشف طوره في كلّ شيء، وفي كلّ ذرة، فلما صح أن مذهبه كذلك، صح أن معناه، ولا احتجابي، أراد بعض معناه، أي ولولا عجز عقولكم عن رؤيتي بأكثر من ذلك لأحرقتكم سبحات وجهي، فافهم ذلك.
قال:
(1) ينظر صحيح مسلم، الحديث 179، باختلاف.
،
646