لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ١٠٣الوسواس
فإن المرض النفسي يعالج بمثل هذا العلاج النفسي، وقد يقوى الإنسان على مقاومة هذه الوساوس عندما يتقن علاجها بطريقة تعيد إليه الثقة بنفسه، وقد يكون علاج الوهم بوهم يزيله أحياناً، فقد سمعت أن رجلاً كان دائماً يُخيّل إليه أن في رأسه مسماراً من الحديد، وكان دائم الصراخ والعويل، وهو يحسّ بوجع شديد بسبب توهمه هذا، ويذهب باستمرار إلى الأطباء، ويطلب منهم أن يعرضوه على الأشعة ليكتشفوا داءه الذي هو موقن به، وكانوا يردّون عليه بأنّه سليم مما يتصور، وأن الأشعة تؤكد خلوه من كل ما ينغص عليه صحته من الأسقام العضوية فضلاً عن وجود مسمار أو غيره، ولكن مع ذلك كانت هذه الوسوسة تؤرق ليله وتزعج نهاره فلم يهنأ عيشاً ولم يحس براحة، لأنها كانت داءً مكيناً سيطر على عقله وفكره فما كان يصدق أبداً مقالة طبيب، ويتصور أن الأطباء جميعاً لا يعرفون شيئاً من سقمه، إذ لم يحسوا بإحساسه إلى أن تولى أمره طبيب عرف مكمن دائه وطريق دوائه، فأكد له صحة قوله، ووعده أن ينزع المسمار من رأسه، فخدره حتى إذا فقد إحساسه قام فشطبه قليلاً ثم ضمّده، وذبح ديكاً، فطلى بدمه مسماراً أراه إياه بعد إفاقته، فاطمأنت نفسه إلى صدقه وخبرته وسكنت أوجاعه، وزال عنه كلّ ما يشكو، فاصبح في عداد الأصحاء ولكن بعد حين أتاه من أفسد على الطبيب علاجه له، إذ أخبره بما خفي عليه من قصة الطبيب معه فعاد إلى ما كان عليه، فأخذ يصرخ كما كان مردداً شكواه من بقاء المسمار في رأسه، واستمرار أذاه له، فإذا المجتمع عليه أن يكون حكيماً في معالجة مثل هذه الأمراض، وكذلك الأسرة، والله تعالى الموفق.
103