لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٣١حوار الحضارات
المحاور: كثر الحديث خصوصاً في السنوات الأخيرة عن حوار الحضارات، وأعدت فيه الكثير من الدراسات والأطروحات، وعقدت الكثير من المؤتمرات، وهو موضوع يمكن بحثه من جوانب مختلفة، قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، ونحن في هذا اللقاء نريد أن ننظر إلى حوار الحضارات من خلال رؤية شرعية مستمدة من هذه الشريعة الغراء باعتبار أننا أُمة تستمد تصوراتها وأفكارها وتهتدي في سلوكياتها وتصرفاتها بهدي الكتاب العزيز، فهل هناك من نصوص أو إشارات في كتاب الله أو في سنة الرسول الله يمكن أن نستلهم منها مشروعية الدخول في حوار الحضارات؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا ونبينا محمد وعلى
آله
وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإنّ الله - تبارك وتعالى - بعث عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم كما بعث إخوانه من الرسل من قبل برسالة الحق، رسالة الهدى، المنقذة للإنسانية، التي تصل بين الدنيا والآخرة، وبين المخلوق وخالقه - تبارك وتعالى، وتصل الإنسان المستخلف في هذه الأرض ببني جنسه، وتصله بعد ذلك بهذا الكون بأسره؛ لأن الإنسان مستخلف في جزء منه وهو الأرض، وممكن له من الانتفاع بجميع أجزاء هذا الكون.
فلذلك كانت هذه الرسالة رسالة عقل، والله - سبحانه وتعالى - شرف الإنسان بالعقل، وميزه به على غيره، وجعله مناط تكليفه وسبب هدايته، ونحن نجد في كتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ ما يدلّ على تكريم العقل ورفع قدره، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ويقول: (لَآيَتِ لِأُولِي الْأَلْبَبِ، و لِقَوْمٍ يَذَكَرُونَ} و لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، و (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، مما يدلّ على أن العقل عندما يستخدم استخداماً سوياً يؤدي بهذا الإنسان إلى أن يهتدي بفضل الله - تبارك وتعالى ـ وتوفيقه، ولما كان مناط تكريم الإنسان والإسلام جاء بهذه الرسالة مبنية على أسس من العقل
العقل هو
-
السليم والشرع الصحيح؛ فإنّ خطابه للعقلاء من الأمم مبني على هذا الأساس.
ولذلك نجد في كتاب الله تعالى حواراً لجميع الفئات من البشر، وللضالين من مختلف الفئات، فالله - تبارك وتعالى - يأمر نبيه بمحاورة المشركين الذين اتخذوا مع الله
331