لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٣٢332
لقاعات
في الفكر و الدعوة
آلهة أخرى، ويبين له من خلال النظرة العقلية الفاحصة لهذا الكون وسننه ونواميسه التي طبعه الله - تبارك وتعالى - عليها ما يدلّ على وحدانية الله سبحانه، فالله تعالى يقول: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَأَتَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16].
ويوجه ـ سبحانه وتعالى - أيضاً عبده ورسوله محمداً لله إلى محاورة أولئك الذين ضلّت عقولهم، وانحرفوا عن سواء الصراط، واتخذوا مع الله آلهة أخرى، وعوّلوا على مخلوقات لا تنفع ولا تضر في طلب قضاء الحاجات وفي التوصل إلى الرغائب، وبلوغ المقاصد، فالله تبارك وتعالى - يقول: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِي وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِرًا أَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا
ملے
نَذَكَرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَن يَبْدَوُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوِلَهُ مَّعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [النمل: 59 - 64]، فهذا كله حوار مع الإنسان على أسس العقل، فإنّ القرآن الكريم يفتح مدارك هذا العقل، ويبيّن لهذا الإنسان أن حقائق الوجود كلها تنبئ بلسان حالها أنها مفتقرة إلى واجب الوجود لذاته، وأنها لا يمكن أن تقوم بنفسها، كما يقول أحد علمائنا: إنّ كل ذرة من ذرات الكون هي كلمة من كلمات الله ناطقة بوجوده سبحانه، وما عداها فهو كالشرح لتلك الكلمة.
فالقرآن الكريم جاء بخطاب العقل، جاء بتوجيه الإنسان إلى الخير، جاء بمحاورة هذا الإنسان الذي آتاه الله - تبارك وتعالى - ما آتاه من عقل، ولكن طمس هذا العقل بضلاله وبانحرافه، وتأثره بمخلّفات أسلافه التي جعلها مقدّمة على العقل، ورأى أن سلامته في
أن يغمض عينيه ويسدّ أذنيه، ولا يعوّل إلا على ذلك الموروث الذي ورثه هدى كان أو ضلالاً، حقاً كان أو باطلاً.