لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٣٧١

الإرهاب

بهم

والله تعالى يبيّن بأنه الله لو كان فظا غليظ القلب لانفض خير القرون من حوله، أي لانفض صحابته من حوله مع أن صحابته أثنى الله عليهم في كتابه بما أثنى عليهم به، فقد خلد ذكرهم بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 8، 9]، ويقول في وصفه ووصفهم: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَتْهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَدَةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ گزرعٍ أَخْرَجَ شَطْلَهُ، فَتَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29]، ومع هذا يقول لنبيه: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران (159] أي لانفض صحابته من حوله مع ما له من حق الطاعة عليهم، فكيف بسائر الناس؟ كيف بالرجل العادي الذي يريد أن يكون داعية إلى الخير وأن يكون أمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر يقابل الناس بالفظاظة والشدة؟! مع أنه ليس في مستوى النبي. أين هو من النبي؟! بعده عن الرسول كبعد الثرى عن الثريا، وكبعد الضريح عن الضراح، وأولئك الناس أيضاً الذين هم من حوله ويريد أن يدعوهم إلى الخير؛ أين هم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين أثنى الله تعالى عليهم في كتابه؟ والذين لو كان النبي صلى الله عليه وسلم فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله، فكيف بهؤلاء لا ينفضّون من حوله، وقد اتصف بهذه الفظاظة، وعاملهم بهذه

الغلظة؟!

ريب

أن دماثة الأخلاق تقرّب البعيد، وتؤلف النافر، وتدعو كل أحد إلى التفاعل مع الذي اتصف بها، فعلى جميع المتدينين أن يكونوا مثالاً في حسن الخلق، ونحن نجد أن الله - تعالى - يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وهذا الخطاب وإن كان هو موجها من حيث لفظه إلى بني إسرائيل إلا أن إنزاله في القرآن الكريم دليل على أن هذه الأُمة مطالبة بأن تتحلى بهذه الصفة، وذلك بأن تقول للناس حسناً، ولم يقل وقولوا للمؤمنين حسناً، وإنما قال {وَقُولُوا لِلنَّاسِ * ليكون ذلك داعياً لجميع الناس إلى الإيمان واتباع الحق، والله تعالى المستعان

371

٣٧١ / ٤٩٤