لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٣٧٠370
لقاعات
في الفكر والدعوة
=
?
ونحن نرى أن الله الا الله بهذا الوصف يرفع من قدر الخلق حتى يجعله أعظم ما يتصف به عباد الله الصالحون، ولذلك وصف به خيرة خلقه عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين، وسراجاً للمهتدين، وإماماً للمتقين، فلو كان هنالك وصف أعظم من الخُلُق لوصفه به، وقد يظن الإنسان أن العلم هو الدرجة العليا التي يرقى إليها الإنسان، ولكن الله تعالى لم يصف النبي صلى الله عليه وسلم بقول: وإنك لعلى علم غزير، أو: وإنك لعلى علم عظيم، وإنما وصفه بالخُلق فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، أما العلم فقد خاطبه مع غيره من بني البشر بقوله: وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، ومعنى ذلك أن علم الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم سائر البشر بجانب علم الله - تعالى - لا يعدّ إلا شيئاً قليلاً ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم البشر أجمعين، إلا أن هذا العلم لا يوازي شيئا بجانب علم الله الذي أحاط بكل شيء، فلذلك وصف الله ـ تعالى ـ عبده ورسوله بالخلق، فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
وهذا يعني أن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أن يتحلوا بالأخلاق الحميدة الفاضلة الدمثة التي تقرب ولا تبعد، وتؤلّف ولا تنفر، وتجمّع ولا تفرّق، هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان صحابته؛ لأن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم انعكست عليهم، فتجسدت في أخلاقهم، وخُلق النبي صلى الله عليه وسلم هو تجسيد لخُلق القرآن كما قالت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله تعالى عنها - عندما سُئلت عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن (رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير)، ونجد أن هذا الخُلق الذي تحلّى به - صلوات الله وسلامه عليه - كان يتجسد في رحمته بالعباد، وحبه الخير لهم، فالله تعالى يقول: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ) [التوبة: 128]. كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، كان بالناس رؤوفاً؛ لأنه يريد أن ينتشل الناس جميعاً من الضياع، يريد أن ينقذ الناس جميعاً من النار، فهو يأخذ بحجزهم عن النار لأنه يدعوهم إلى الله، وكان حريصاً على إيمانهم حتى ينقذوا أنفسهم من الهلكة، ولذلك يقول الله - تعالى - مخاطباً إياه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى اثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، ويقول: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، ومعنى باخع نفسك مهلك نفسك، فهو من شدة الهم الذي يحمله بسبب عدم إيمان الناس حتى ينقذوا أنفسهم من النار، من شدة هذا الهم الذي يحمله كاد يودي به هذا الهمّ لولا لطف الله - تبارك وتعالى ـ به، وذلك يعود إلى خُلقه العظيم إلى اتصافه بالرحمة، واتصافه بالخير.
?
وو