لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٠٨408
لقاعات
في الفكر و الدعوة
القراءات من الشقاق والخلاف بين المسلمين، كذلك جمع القرآن في عهد الخليفة الأول وبمشورة الخليفة الثاني كل ذلك إنما كان من الأعمال الحادثة التي لم تكن الحاجة داعية إليها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا كله مما يدخل في البدع الحسنة.
كذلك
جمع الناس على إمام واحد في صلاة قيام رمضان بعدما كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم متفرقين، يصلّي الثلاثة النفر والشخصان والأربعة كل يصلّون بإمامهم، فجمعهم عمر - رضي الله تعالى عنه ـ على إمام واحد، وكان في ذلك مصلحة كبيرة. كذلك أيضاً بالنسبة إلى الأذان الأول للجمعة إنما أحدث لأجل مراعاة الضرورة الداعية إلى ذلك؛ لأجل تنبيه الناس إلى الجمعة، وهذه الأمور كلها مما يدخل في البدعة الحسنة.
أما البدعة السيئة فهي التي تتنافى مع الدين، فالبدعة السيئة أن يبتدع الناس من أمر الدين ما لم يأذن به الله، من أمثلة ذلك أن يأتي الناس إلى المقابر ليقدموا القرابين والنذور، وليطلبوا من أصحاب القبور قضاء حاجاتهم، فإن هذه من البدع السيئة؛ لأن الإسلام جاء هادماً لمثل هذه المعتقدات، جاء ليقرر في نفوس المؤمنين جميعاً بأن الله - تبارك وتعالى - يجب أن يفرد بالاستعانة كما يجب أن يفرد بالعبادة كما يدلّ عليه قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، فكما أن العبادة لا يجوز أن تكون لغيره الا الله وكذلك الاستعانة في مثل هذه الأشياء لا تكون بغيره؛ لا سيما أولئك الأموات في قبورهم أنّى يتمكنون في قضاء حاجة أحد وهم موتى؟!، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع عظم قدره وعلو شأنه وما له من منزلة عند الله الا الله يقول له الله - تبارك وتعالى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]، ويقول له: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوهُ﴾ [الأعراف: 188] فكيف بغيره؟! بل كيف بالموتى في قبورهم؟! فمثل هذه البدع بدع سيئة، وكذلك كل بدعة جاء الإسلام بما يناقضها، فهي بدعة سيئة لا يجوز أن تقرّ أبداً.