لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤٠٧

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فهنا نرى أنه يقول بأن كل محدثة بدعة، ولكن في أي شيء هذه المحدثات؟ إنما هي محدثات الدين، فمحدثات الدين هي بدع؛ أي من أحدث شيئاً يتنافى مع أصل الدين فقد ابتدع، أما إن كان ما أحدثه له أصل في الدين بحيث يكون هو مرغباً فيه بالنظر إلى كليات الدين وأصوله؛ فذلك مما يدخل في البدعة الحسنة التي عناها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «من سَنْ سُنَّةً حسنةً كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، فترون أنه قال: «سَنْ سُنَّة حسنةً»، أي طريقة حسنة. وفي المقابل يقول: «من سَنْ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (رواه الترمذي وابن ماجه)، هذا له أجر تلك السُّنَّة وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وفي المقابل الآخر عليه وزرها؛ أي السنة التي سنها، ووزر من عمل بتلك السُّنَّة إلى يوم القيامة، ذلك لأن الذي سَنَّ سُنَّة حسنةً سُنّته غير خارجة عن أصل الدين، وهذا الذي سَنّ السُّنَّة السيئة سُنّته عكس ذلك.

وزر

ونحن نرى في عهد الصحابة أحدثت أشياء لم تكن معهودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لم يعتبروها بدعة ضلالة، أو بدعة سيئة بل اعتبروها بدعة حسنة، من ذلك ما يتعلق بتنظيم أمور الناس في حياتهم الاجتماعية وحياتهم السياسية، فقد كانت أمور لم يكن مفتقراً إليها، إذ لم يكن المسلمون بحاجة إليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن مع تطور الأمور واتساع الفتوح واتساع الرقعة الإسلامية وتطور حياة الأمة كانت الأمة بحاجة إليها، من ذلك إحداث التاريخ، فما كان التاريخ معروفاً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أُحدث في عهد عمر، واجتمع المسلمون على أن يكون تاريخ الأمة بدايته في هجرة الرسول - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وهذه تعد بدعة حسنة؛ لأنها لا تتصادم مع الدين، وليس فيها أي مضرّة بل فيها مصلحة، والدين إنما هو قائم على مراعاة مصالح العباد، فلذلك عدوها بدعة حسنة.

ومن ذلك أيضاً أن بيت المال لم يكن معهوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما كان الفيء يقسم ما بين الناس، فلما كان عمر - رضي الله تعالى عنه ـ حبس الفيء، وصار يقسّم على الناس منافعه دون أصله لحاجة المسلمين إلى أصل يرجعون إليه يكون قواماً لدولتهم، وهذا مما لم يُعد بدعة سيئة، كذلك جمع الناس على مصحف واحد في عهد الخليفة الثالث إنما كان ذلك باتفاق الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم ـ؛ لأجل ما في اختلاف

407

٤٠٧ / ٤٩٤