لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤١١الأخلاق الإسلامية
المحاور: الذي أوتي علماً غزيراً كيف يتعامل مع الآخرين؟
رب العالمين، والصلاة والسلام على
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بسم سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإنّ الله - تبارك وتعالى - خلق الإنسان خلقاً، سويّاً، ومن عليه بنعمة العقل، ورفع درجته، وأعلى شأنه إذ كرّمه بما آتاه من مواهب، وبوّأه منصب الخلافة في هذه الأرض، وجعله سيداً في هذا الكون، يقول - تبارك وتعالى -: ﴿وَلَقَدْ كَرَمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم من الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الأسراء: 70]، وهذا التكريم لا يعود إلى جسم الإنسان وأصله، وإنما يعود إلى النفخة الربانية التي نفخها الله في هذا الجسم فتحوّل إلى خلق آخر، فلو كان الأمر يعود إلى الجسم لربما كان جسم الحيوان أحسن من جسم الإنسان من حيث إن جسم الحيوان قد يكون أقوى بكثير من جسم الإنسان، وقد يكون أقدر على مقاومة التحديات المختلفة والطبايع المتنوعة، ولكن الله - تبارك وتعالى ـ جعل تلكم النفخة الربانية هي التي رفعت من شأن الإنسان، وإذا كان الإنسان رفع بهذه النفخة الربانية فعليه أن يعلم أن الحق الا الله جعله عبداً متحملاً لأمانته، وأنّ فضله ومنزلته بقدر ما يصدق في تحمل هذه الأمانة لا أن يتعالى بسبب أي شيء أوتيه في هذه الحياة الدنيا، إذ لا قيمة للعلم وحده من غير أن يكون العبد متخلقاً بالخلق الكريم، فالله الله قد اختار عبده ورسوله محمداً، وشرفه فوق الخلائق كلها، وأعلى منزلته، وجعل رسالته رحمة للعالمين، فقد قال الله مخاطباً عبده ورسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ولكن عندما أثنى الله عليه بماذا وصفه؟ هل وصفه بالعلم الغزير؟ لا، وإنما وصفه بالخُلُق العظيم، فقد قال - تعالى - مخاطباً إياه ـ صلوات الله وسلامه عليه -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، ولم يقل له وإنك لعلى علم غزير، بل قال الله مخاطباً له ولغيره: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
وتعالى
وو
وتعالى
فإذا الإنسان لا يكون سموّه في هذه الحياة بمنصبه ولا بجاهه ولا بعلمه إن كان مجرّداً من الأخلاق، فالأخلاق هي ميزان التفاضل بين الناس، ذلك لأن الخُلق الرفيع يؤدي إلى أن يكون الإنسان أولاً راعياً لحقِّ الله - سبحانه - الذي خلقه فسوّاه، إذ غروره قد يجعله أنه وصل إلى ما وصل إليه باستحقاق، وأن الله - تبارك وتعالى ـ لا فضل له عليه،
يرى
411