لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤١٢412
لقاعات
في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
وهذا أمر فيه من الخطورة ما لا يمكن أن يتصوّره متصوّر، فإنّ الغرور هو الذي يُردي صاحبه، ما اغتر مغتر إلا وكان غروره سبباً لما يصل إليه من إذلال الله - تعالى - له ومن إهانته إياه، ففرعون اغترّ حتى وصل به الأمر إلى أن يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إله غيري﴾ [القصص: 38]، وقال: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحتى﴾ [الزخرف: 51]، فأهلكه الله الله بما كان مغتراً، به إذ أهلكه بالماء فأغرقه فيه، فكان عبرة للمعتبرين إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى} [النازعات: 26]، وكذلك غيره.
التي
والله - تبارك وتعالى ـ يبين لنا في كتابه أنه أهلك من أهلك من الأُمم من قبلنا، تلكم الأُمم أُوتيت ما أُوتيت من الهبات الإلهية، ولكنها لم تضعها في موضعها، فإنه لا يقول: ألم يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِي مِن تَحْلِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا وَآخَرِينَ} [الأنعام: 1].
وإذا كان الغرور هو مصدر هلاك الإنسان؛ فإنّ غروره بالعلم أيضاً قد يكون مصدر هلاكه، إذ الله - تبارك وتعالى ـ قال عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]، وقد كان ذلك سبباً لهلاكه، فهكذا يجب أن يعتبر المعتبرون. والإنسان يجب عليه كلما زادت نعمة الله - تبارك وتعالى - عليه أن يكون أحسن خُلُقاً، وأطيب معاملةً، وأصفى سريرةً، ليس للإنسان أن يتعالى بأن أوتي علماً، أو أوتي منصباً، أو أوتي مالاً، بل يجب أن تجعله هذه المواهب الربانية يتطامن ويطأطئ رأسه، ويعامل الآخرين معاملة رقيقة
حسنة.
به
على أن هذه الدعوة التي بعث بها النبي الله ما كان من أسباب انتشارها إلا ما كان متصفاً - عليه أفضل الصلاة والسلام - من الصفات الحميدة والسجايا الحسنة التي مهدت لهذه الدعوة حتى وصلت إلى حيث وصلت. ونجد أن الله - تعالى - يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق، وهو بين جيل هو أشرف الأجيال وأطهرها جميعاً جيل المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله - تعالى - عليهم في كتابه عندما قال: ﴿تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَبَّهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَيةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْلَهُ فَتَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَاعَ لِبَغِيظُ بِهِمُ الكفار وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29]، نرى أن الله