لقاءات في الفكر والدعوة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

لقاءات في الفكر والدعوة

الجزء ١ · صفحة ٤٤١

التفاؤل

المحاور: التفاؤل له دور كبير في دفع الإنسان إلى الإمام، وهو كذلك الدافع الرئيسي لتحقيق الأهداف لكن البعض تنقص عنده هذه الصفة أو تنعدم، وسرعان ما تنطلق من لسانه بعض ألفاظ التشاؤم، وتنعكس على حركاته وسلوكه وكأنه ينظر إلى المستقبل على أنه عقبة كؤود، أو أن بينه وبين المستقبل خرط القتاد، وأنتم سماحة الشيخ عُرف عنكم كثرة التفاؤل، فكيف يُربّي الإنسان نفسه على التفاؤل؟

بسم

الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما

بعد:

فإنّ المؤمن من يصل كل شيء بالله - تبارك وتعالى ـ الذي خلق هذا الوجود وصرفه، والذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يُرجع الأمر كله - سبحانه ـ له الخلق والأمر، وله الحكم والقهر إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف: 40].

وعقيدة التوحيد تدعو الإنسان دائماً إلى أن ينظر إلى الأمور كلّها بمنظار الإيمان بالله يا الله ومن خلال ذلك يرى يد الله لا تصرّف الأشياء، فتأتي بما لم يكن في الحسبان، فالله الله قد يمن باليسر بعد العسر، وبالفرج بعد الشدة، وبالسعة بعد الضيق، وهكذا تنقلب الأحوال من حال إلى حال، ودوام الحال من المحال.

كان يمضي

قدماً

والنبي له وهو إمام المؤمنين جميعاً علمنا كيف نتفاءل حتى في حالات الشدة، فالرسول - عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام - كان كثير التفاؤل، وكان لا يتشاءم أبداً وإن أحلولكت الدنيا أمام ناظريه، وتضاعفت الشدائد وأحاطت به إحاطة القيد بالساق، فقد مع ما يواجهه من التحديات وما يلقاه من الصعاب، وقد هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعدما أظلمت الدنيا في وجهه، وتنكّر له المجتمع وبعد عنه القريب، ونفاه الحميم، وفي حال الهجرة - وهو يخرج من بلد فيه مرتع طفولته، أحلامه، وسجّل ذكرياته لينتقل إلى بلد آخر بينه وبينه نحو خمسمائة كيلومتر أو نحو ذلك، وكان الرصد من أمامه والتبع من خلفه إذ كان أعداؤه يريدون به صلى الله عليه وسلم كل شر، ويضمرون له كلّ كيد - تعرّض له سراقة طمعاً من أن ينال الجائزة التي وعدت قريش بها من يردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم حياً أو ميتاً، وهي مائة ناقة، فكانت تلك الآية الكبرى من آيات الله - تبارك وتعالى - بحيث ساخت قوائم فرسه في الأرض الصلبة، ورأى من آيات

ومسرح

441

٤٤١ / ٤٩٤