لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٤٤٩القرآن الكريم والصيف
المحاور: ما مفهوم وقت الفراغ في حياة المسلم؟ وكيف يمكن أن يعمر هذا الفراغ
بحيث يعود عليه بالصالح المفيد؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإن المسلم لا يترك جزءاً من وقته يمرّ سدى؛ لأنّه يشعر بأنه مسؤول عن وقته، فإنّ الله
مقدمة
- تبارك وتعالى - جعل الحياة هي النعمة الكبرى التي منحها هذا الإنسان وتترتب بقية النعم عليها، وقد جاء في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على أن العمر هو في ما يُسئل عنه العبد؛ لأنّ كلّ شيء إنما يترتب عليه، فتكاليف الحياة إنما هي تترتب على العمر، والنعم الكبرى التي يسبح في خضمها الإنسان إنما جعلها الله - تبارك وتعالى - مؤطرة في إطار العمر، وكلّ ما يتعلق بالإنسان إنما هو يدور في فلك عمره، فلذلك كان مسؤولاً عنه، ففي الحديث الذي رواه الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم»، فيسأل الإنسان عن العمر، هذا العمر الذي هو هبة الله - تبارك وتعالى - الكبرى للإنسان يسأل عنه فيم أفناه؟ لأن كل لحظة من لحظات العمر إنما هي على حسابه، فما من لحظة تمرّ إلا وقد خسرها الإنسان إن لم يربح فيها عملاً صالحاً يتقرب به إلى الله - تبارك وتعالى ـ زلفي، وأنفاس الإنسان إنما هي خطواته التي يسير بها إلى لقاء الله - تبارك وتعالى ـ، فما من نَفَس يتنفسه يمكن أن يعوّض؛ لأنّ كلّ نَفَس إنما ينقص من العمر.
وبالجملة فإنّ جميع أوقات الإنسان إنما هي مطيته الدؤوب التي يقطع بها رحلة هذا العمر، فالليل والنهار بدورانهما المستمر يطويان شريط العمر، وقد أجاد من قال:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة
وقال غيره:
تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
ولن يلبث العصران يوم وليلة
إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
فالليل والنهار إنما يتقاضيان الإنسان ليصلا به إلى الغاية المحتومة، التي ينقلب من
449