لقاءات في الفكر والدعوة
الجزء ١ · صفحة ٩٧الوسواس
الله
أن يكون في خلد الإنسان دائماً، إذ الإنسان مهما قام بالحقوق الواجبة عليه، واضطلع بالأمانة الملقاة على عاتقه فإن التقصير ديدنه، إذ لا يستطيع إنسان قط أن يوفي - تبارك وتعالى - حقه، ولذلك نجد في كتاب الله و ما يدلّ على أن المؤمنين الصالحين يفعلون ما يفعلون من خير، ويسارعون إلى الطاعات ويتجنبون المعاصي، ولكن مع ذلك تبقى نفوسهم في خوف من الله - تبارك وتعالى -، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَيْكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: 60، 61]، فهؤلاء مع كونهم يعملون الصالحات، ويُؤتون ما أتوا من أموالهم طيبة بذلك نفوسهم، فإن قلوبهم تظلّ وجلة من خشية الله، شاعرة بالمنقلب إليه الله، وهم بهذا الوجل والخوف من الله الله يزدادون قرباً إليه، ومسارعة إلى طاعاته، وابتعاداً عن معاصيه، ولذلك كانوا دائماً يسارعون في الخيرات كما قال سبحانه: أُولَيْكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ} [المؤمنون: 61].
هذا؛ ومن المعلوم أن الإنسان ضعيف أمام عواصف الأفكار المختلفة التي تلم به، وأمام التحديات المتنوعة التي يواجهها، وأمام تقلبات الأحوال من حوله بحيث قد يكون في نعمة فينقلب إلى ضدها، وقد يكون في أمر يحبه فإذا هو يصادف ما يكره، وهكذا تحديات الزمن وصروف الدهر، فالإنسان إذاً عرضة لهذه التقلبات، ولكن مع ذلك فإن المؤمن الواثق بالله يلجأ إلى الله في أحواله كلها ويتوكل عليه.
والله - تبارك وتعالى ـ لم يكلف الناس عسيراً، إنما كلّفهم يسيراً، ووعدهم خيراً كثيراً وأجراً كبيراً، وهو الله ما جعل عليهم في الدين من حرج، فقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6]، وقد بين الله أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، حيث قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]، فطبيعة الإنسان أن تكون نفسه عرضة للكثير من التقلبات، ولكن المؤمن مهما واجه من هذه الظروف والأحوال والتقلبات، ومهما كان من طبيعة نفسه بسبب ما يلقاه من شدة أو عكسها إلا أنه دائماً يكون موصولاً بربه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، فلذلك مهما ألمت بهم الوساوس فإنهم
97