الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٣وث
453
في البلد الحرام تراجعوا فاتفقوا على تحكيم أول داخل من باب بني شيبة فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ساقه القدر الإلهي لرأب صدعهم وصون دمائهم وأرواحهم بقراره العادل الأمين الذي انقادوا له جميعاً.
سمع
ومعنى هذا أن الحكم غير الشاهد، فلكل واحد منهما معناه الذي ينساق إلى الذهن تطابقاً مع اسمه ووظيفته الخاصة التي يقوم بها في عمله، إذ الشاهد لا يعدو أن يكون مصورًا للقضية المتنازع فيها بحسب ما وأبصر، وناقلاً إلى الحكم حقيقتها الغائبة في حال الحكم، وأما الحكم فإنه يقضي بين المتخاصمين بما يراه عدلاً وصواباً بعد أن يسبرها وتتكشف له حقيقتها إما باعتراف المدعى عليه أو بالبينة العادلة التي تعضد دعوى المدعي أو بما يراه بناظريه في حال الخصومة بين المتداعيين، وعليه فإن من جعل الحكمين في الآية شاهدين وسلبهما وصف التحكيم المعروف عند العرب الذين نزل بلغتهم القرآن قد أبعد النجعة؛ لأن الله خاطب العرب بلسانهم المعهود وشرفهم إذ جعل لغتهم وعاء كلامه المنزل للهداية والإعجاز فلا يسوغ حمل شيء من ألفاظ كتابه على خلاف المعنى المعهود التخاطب بين العرب اللَّهُمَّ إلَّا أن تدل القرينة على إرادة معنى مجازي آخر وهو أسلوب معهود عند العرب أيضًا، ولكن أنَّى لهم بالقرينة الصارفة للفظ الحكمين عن حقيقته المعهودة؟ وقد أجاد القرطبي حيث قال بعد ذكره نص ما في الآية: «وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى وللحكم اسم في الشريعة ومعنى فإذا بيَّن الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ ـ فكيف لعالم - أن يركب معنى أحدهما على الآخر.
في
ثانيها: أن هذا القول محكي عن أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى