الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٥٢

452

الفتاوى النكاح

ومما جاء في هذا ما رواه الطبري في تفسيره قال: حدثنا بشار قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة عن الحسن - وهو قول قتادة ـ أنهما قالا: إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه، وأما الفرقة فليست في أيديهما، ولم يملكا ذلك. ورواه البيهقي في سننه بمعناه عن قتادة عن الحسن.

والقول الأول هو أقوى حجة فيما أرى لأنه يعتضد بوجوه:

أولها: أن الله سمى المبعوثين حكمين، والتحكيم يقتضي تفويض المحكم وإسلاس القياد له والرضى بقراره ونفاذ قوله بين المتخاصمين، وهو مما ألفته الأمم ومن بينها العرب قبل أن يكرمهم الله بالإسلام ويقضي على خصوماتهم بحكم القرآن إذ لم تكن لهم محاكم منصوبة لفض نزاعاتهم، ولكنهم - مع ما عرف عنهم من الاحتكام في خصوماتهم إلى سيوفهم ـ كانوا ينزعون أحيانًا منزع العقل ويفكرون في العواقب فيجعلون أمرهم إلى عقلائهم الذين عرفوا بسداد الرأي وتوقد البصيرة والتوسط بين الأطراف في دفع الخصومات ولا يجدون غضاضة في النزول إلى حكمهم والتزام ما يفرضونه عليهم، ولو كان على غير هواهم وهو مما تأصل في عاداتهم وسجله التاريخ عن أقدميهم حتى كانوا يوصون بذلك أبناءهم فيما لو وقع بينهم نزاع، وقد يعينون لهم من يحتكمون إليه من بعدهم كما أوصى نزار بن معد ابن عدنان أبناءه الأربعة - وهم ربيعة ومضر وإياد وأنمار - إن اختلفوا بعده أن يحتكموا إلى ملك نجران الأفعى الجرهمي وقد فعلوا ذلك، واحتكم عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة إلى هرم بن سنان العبسي، وعندما تشاجرت بطون قريش في رفع الحجر الأسود إلى محله عندما جددوا بناء الكعبة المشرفة فكادت سيوفهم تنتضى ودماؤهم تسيل