الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٣٣بحوث
433
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] فقد منع الله سباب آلهة المشركين ـ مع ما في سبابها من الحمية للدين والغيرة على التوحيد وإهانة الشرك والمشركين - لئلا يؤدي إلى سباب المشركين لله ول، وهو دليل لا غبار عليه أن الخير قد يجب تركه لئلا يفضي إلى شر أكبر؛ ومن أدلته في السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل المقتول، عمداً كان القتل أو خطأ» (1). وما ذلك إلا لأجل قطع السبيل على الذين يريدون التعجل في الميراث، ولا يؤمن منهم أن يغدروا بموروثيهم ويُدعوا الخطأ في فعلهم مع أن الإرث حق للوارث في مال موروثه نصت عليه الشرائع واتفقت عليه الأعراف، ولكن هذا الحق يسقط شرعاً بالقتل ولو كان خطأ صوناً للدماء وسداً لذرائع سفكها.
هذا
معه
ومن ذلك ما جاءت به السنن من النهي عن التشبه بالكفار حتى في الأمور المعتادة كما ورد عن النبي أنه كان قائماً عند دفن ميت، وكان أصحابه قياماً فمر بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا. فقعد وأمر أصحابه بالقعود (2)، مع أن القيام مباح أصلا وهو من الأمور المعتادة عند الناس، ولكنه صلى الله عليه وسلم آثر تركه خشية أن يتأثر المسلمون باليهود فيتبعوهم في سننهم، ومن هذا الباب ما نراه من تعليله صلوات الله وسلامه عليه كثيراً مما يأمر به أو ينهى عنه بمخالفة اليهود أو مخالفة أهل الكتاب أو المجوس أو
المشركين لئلا تؤدي متابعتهم إلى ذوبان شخصية المسلم في عاداتهم. وقد أخذ بسد الذرائع كثير من المسلمين وأوسعوه بحثاً وتمحيصاً، حتى أن من علماء العصر من ألف فيه كتاباً ضخماً كبيراً، وقد أطال ابن القيم
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الأيمان والنذور، باب الوصية (676). (2) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب: القيام للجنازة (3176).