الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٢472
الفتاوى المعاملات
ومنها: أن النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ ذكر لبشير ما يدل على أن هذا من باب الإرشاد لا من باب الإلزام إذ قال له: «ألا تريد أن يكونوا في برك سواء؟»، قال له: نعم، قال له: «فرجعه إذن»، وهو مردود بأن هذه الرواية لا تقوى دلالتها على رد ما دلت عليه الروايات الأخرى من كون ذلك جوراً وليس حقاً، إذ لا مسوغ على حمل ذلك على الإرشاد، مع كون الروايات الأخرى صريحة في دلالتها على خلاف ذلك، وإنما غاية ما تدل عليه هذه الرواية هو بيان الحكمة من هذا التوجيه النبوي الشريف، فإن الأب مطالب بتربية أولاده جميعاً على ما يحفزهم على بره والإحسان إليه، وهذا
مطلب فطري تتطلع إليه نفس كل والد فضلاً عن كونه مطلباً شرعياً.
ومنها: أن هذه العطية لم تكن عطية منجزة، لأنها كانت بدون قبض، وأجيب بأن القبض حاصل، لأن العطية كانت ماضية من قبل، فإنه قال: «نحلت» وهو يدل على أن العطية قد أمضاها، وإنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لطلب الشهادة منه على ذلك للاستيثاق بشهادته - عليه أفضل الصلاة والسلام ..
ومنها: أن هذه العطية كانت ماضية ولكنه أراد إرشاده إلى الأولى، ويدل على أنها نافذة شرعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بارتجاعها، ولا يكون الارتجاع إلا للذي نفذ، وهو مردود لأن أمره بالارجاع ما كان إلا بسبب عدم موافقة العطية للأمر الشرعي.
ومنها: أن امتناعه عن الشهادة ما كان إلا لأنه هو الحكم بين الناس، ولا ينبغي لمثله أن يشهد، وإنما يسمع الشهادة من غيره، فلذلك أرشد بشيراً إلى أن يشهد غيره كما هو واضح في قوله: «أشهد غيري»، وما كان ليأمره بإشهاد غيره لولا أن ذلك جائز، وهو مردود بأن قوله: «أشهد غيري» غير خارج مخرج الإرشاد والتوجيه ولكنه وارد مورد التهديد والتغليظ، استنكاراً