الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٥بحوث
475
وتتنوع الهدية إلى نوعين، لأنها إما أن تكون تمليكاً للرقبة، وإما أن تكون تمليكاً للمنفعة، فإن كانت تمليكاً للرقبة فإن العين المهداة تنتقل ملكيتها بجميع منافعها إلى من أهديت إليه، فلا تمنع يده أن يتصرف فيها أي تصرف يباح شرعاً لمن ملكها، وإن كانت تمليكاً للمنفعة فإن ملكية عينها تبقى لصاحبها الأول وهو مهديها، وإنما يملك من أهديت إليه منفعتها تلك المنفعة وحدها، وهذا يتصور في كثير من الأشياء، منها المنيحة وهي الشاة اللبون، تمنح أحداً لينتفع بلبنها إلى أمد، وذلك مما يعد من القربات، كما في مسند الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الصدقة المنيحة الصفي تروح بإناء وتغدو بآخر»، ومن المعلوم أن رقبة الشاة لا تنتقل ملكيتها بذلك إلى من أهديت إليه، فليس له بيعها ولا ذبحها ولا إهداؤها لغيره، وإنما ينتفع بما تدره من اللبن وذلك هو ملك المنفعة، ومثل ذلك ما لو أعطى أحد غيره دابة ليركب على ظهرها أو يحمل عليها متاعه أو يستخدمها في الحرث أو السقي أو نحو ذلك، ومثل ذلك حكم السيارة وسائر المركبات والآلات، فإن العين في هذه الأحوال كلها تبقى ملكاً لصاحبها، ولا يملك المعطى إلا المنفعة التي أبيحت له.
العمري والرقبى:
ومثل ذلك العمرى والرقبى والعمرى هي أن يعمر أحد غيره عقاراً كبيت يسكنه أو أرض يحرثها أو حديقة يستغلها، بحيث يقول له: أعمرتك أو عمرتك هذا المال مدة حياتك فإن مت رجع ذلك إليّ، وقد وقع خلاف أهل العلم في حكمها، فمنهم من قال بأنها لا تسترد من قبل صاحبها، وهؤلاء استدلوا بحديث جابر بن عبد الله له عند مسلم أن الأنصار كانوا يعمرون إخوانهم المهاجرين الله أموالهم فقال لهم النبي: «أمسكوا
ما