الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٨٦486
الفتاوى المعاملات
بطرق مختلفة، طرق قد يحسبها الإنسان في الظاهر آخذةً وجهاً من الوجوه الشرعية، ولكنها في الحقيقة ما أُريد بها إلا الربا.
وقد ذهب أصحابنا وجمهور الأمة إلى تحريم بيوع الذرائع وعدم جواز التعامل بها بأي حال من الأحوال، وهذا مما يدل عليه الحديث الشريف، ويعضده ما رُوي عن أم المؤمنين عائشة لنا كما أخرج ذلك الدارقطني: أن أم ولد لزيد بن أرقم له ذكرت لها بأنها باعت لزيد غلاماً بثمانمائة درهم نسيئة واشترته منه نقداً بستمائة، فقالت لها عائشة أم المؤمنين لنا بئس ما شريت واشتريت، أبلغي زيداً بأنه أبطل جهاده مع رسول الله (1) وليس مثل هذا الكلام من الممكن أن يُقال من قبل أحد إلا بتوقيف من الشارع، فما كان لأم المؤمنين عائشة لا بأن تقول بأن زيداً أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد مخالفتها له ومخالفته هو لرأيها الذي تراه، فلو كان هذا مجرد خلاف بين صحابيين لما أمكن بأن تقول مثل هذا القول، ولكنها أدركت أن الأمر فيه خطورة، وأنه ربما خفي الحكم على زيد، ولذلك أرادت أن تقوم عليه الحجة بإبلاغ أم الولد التي كان بينه وبينها التبايع لذلك حتى يتراجع عما هو عليه ومن المعلوم أن بطلان الجهاد أن يحبط ثوابه ولا يكون إحباط ثواب العمل إلا بارتكاب كبيرة من
هو
الكبائر، ولا عبرة بما قاله ابن حزم بأن هذا الحديث مما يدل على ضعفه أن يوجه مثل هذا الخطاب إلى زيد وهو أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان معروفاً بمناصرته الإسلام، فإن الله تبارك وتعالى وجه مثل هذا الخطاب أيضاً إلى صحابة النبي عندما قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا
(1) أخرجه الدارقطني في كتاب: البيوع (2982).