الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٩٥الذبائح
195
كان ولا يزال أسهل أنواع التذكية على أكثر الناس، فلذلك اختاروه وأقرهم الشرع عليه أنه ليس فيه من تعذيب الحيوان ما في غيره من أنواع القتل، كما أقرهم على صيد الجوارح والسهم والمعراض ونحو ذلك، وإني لأعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم لو اطلع على طريقة للتذكية أسهل على الحيوان ولا ضرر فيها كالتذكية الكهربائية - إن صح هذا الوصف فيها ـ لفضلها على الذبح، لأن قاعدة شريعته أنه لا يحرم على الناس إلا ما فيه ضرر لأنفسهم أو لغيرهم من الأحياء، ومنه تعذيب الحيوان بالوقذ ونحوه، وأمور العادات في الأكل واللباس ليست مما يتعبد الله الناس تعبداً بإقرارهم عليه، وإنما تكون أحكام العبادة بنصوص من الشارع تدل عليها، ولا يعرف مراد الشارع وحكمته في من المسائل إلا بفهم كل ما ورد، بجملته ولو كان إقرار الناس على شيء من العادات أو استئناف الشارع لها حجة على التعبد بها لوجب على المسلمين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية أكله وشربه ونومه، بل هنالك ما أجدر بالوجوب كالتزام صفة مسجده وحينئذٍ يحرم فرشه ووضع السرج
هو
مسألة
والمصابيح فيه.
وقد تأملنا
ما مجموع ورد في التذكية ففقهنا أن غرض الشارع منها اتقاء تعذيب الحيوان بقدر الاستطاعة، فأجاز ما أنهر الدم وما مراه أو أمراه أو أمره، وهو دون معنى (أنهره) في معنى إخراجه أو أسالته، وأمر بأن تحد الشفار وأن لا يقطع شيء من بدن الحيوان قبل أن تزهق روحه، وأجاز النحر والذبح حتى بالضرار أي بالحجارة المحددة، وبالمرو أي الحجر الأبيض، وقيل: الذي تقدح منه النار، وبشق العصا وهذا دون السكين غير المحدد بالشحذ ولكل وقت وحال ما يناسبهما، فإذا تيسر الذبح بسكين حاد لا يعدل إلى ما دونه، وإذا تيسر في الذبح إنهار الدم يكون أسهل للحيوان وأقل إيلاماً له فلا يعدل عنه إلى مثل طعن المتردية في ظهرها أو فخذها