الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٣٥العربي
القلب من
الذبائح
235
فيما إذا كان الترك من أجل اكتفاء الذابح باسم الله الذي يملأ جوانب قلبه وإن لم يفض ذكره على لسانه، أو من أجل أنه يرى التسمية لا تتناسب مع فعله لأنه ليس بقربة وهي أولى بها القرب، ويذهب إلى المنع إن كان الترك بباعث الاستخفاف باسم الله - فإنَّا نرى أن نعرض هذا القول على كلام ابن نفسه، فالصورة الأولى وهي ما إذا كان ترك التسمية من أجل ما في أسماء الله ـ قد تعرض لها ابن العربي نفسه عندما قال: (فإن قيل: المراد بذكر اسم الله بالقلب لأن الذكر يضاد النسيان، ومحل النسيان القلب فمحل الذكر القلب وقد روى البراء بن عازب وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اسم الله على قلب كل مسلم سمى أو لم يسم»، ولهذا تجزئه الذبيحة إن نسي التسمية تعويلاً على ما في قلبه من اسم الله سبحانه، قلنا: الذكر يكون باللسان ويكون بالقلب والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكر الله في الألسنة واستمر ذلك في الشريعة، حتى قيل لمالك: هل يسمي الله إذا توضأ؟ فقال: أيريد أن يذبح؟ إشارة إلى أن موضع التسمية وموضوعها إنما هو في الذبائح لا في الطهارة، وأما الحديث الذي تعلقوا به
ورم
في قوله: «اسم الله على قلب كل مؤمن فحديث ضعيف لا تلتفوا إليه). هذا نص كلامه وهو صريح في أن الذكر المطلوب الذي يتوقف عليه حل الأكل لا بد من أن يكون باللسان، ولا يكتفي بما في القلب وحده، وهذا هو الذي يتفق مع نسق التشريع وتقتضيه سنن التعبد، فإن الله تعالى يصف القرآن بقوله: ﴿بَلْ هُوَ عَايَتُ بَيْنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]، وقد فرض على عباده أن يقرؤوه بألسنتهم في صلاتهم ولا يكتفي من أحد إن قال إن القرآن الكريم كله فى قرارة نفسى وملء ذاكرتي، فلا داعي أن أقرأ شيئاً منه في صلاتي. ولا تكون صلاته بذلك صحيحة بالإجماع. (1) أحكام القرآن: 750/ 2.