الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٣٧الرأي المختار:
الذبائح
237
إن الذي استقر في ذهني - بعد استعراض هذه الأقوال وأدلتها وما يتوجه إلى كل منها من إيراد ودفع ـ أن من تجرد في هذه المسألة من جميع العوامل النفسية، وأسلس القياد للدليل وحده لا يرتاب في أن القول الأول هو أصح هذه الأوقال وأعدلها وأبينها حجة وأوضحها محجة، ولو لم يكن عليه من دليل إلا قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقُ لكفى، كيف والأدلة تكتنفه من كل جانب.
أما ما تشبث به معارضوه من أن الآية مقيدة بجملة حالية وهي قوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، فيجري حكمها في قيدها، ويحمل على ما أُهل به لغير الله، لأنه المنصوص عليه أنه فسق في العديد من الآيات؛ فهو تشبث بما لا طائل تحته، لأنه مبني على أن جملة وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) حال؛ وهو متعذر لأمرين: تأكيدها بإنَّ واللام)، والعطف عليها بما يتعذر حمله على الحال في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لمشركون﴾ [الأنعام: 121]، فإن كل ذي ذوق ليدرك أنه لا معنى لتقييد النهي بحال وحي الشياطين إلى أوليائهم بمجادلة المؤمنين في هذا الحكم، والعطف بين الجمل يفيد اشتراكها في حكمها، فإن كانت الجملة المعطوف
(1) راجع بعض طلبة العلم الباحث من حيث إن الجملة الحالية قد تقترن بالتأكيد بإن واللام كما في قوله تعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ} فَإِنه لا يرتاب في أن قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ حال، فأجابهم: بأن ذلك إنما في الحال الذي يقيد جملة خبرية كما في آية، الأنفال، لأن التأكيد في مثل هذا يفيد تأكيد الخبر نفسه، وذلك بخلاف ما نحن بصدده كما في آية الأنعام، لأن قوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا إنشاء فلا يحتاج الحال بعده إلى تأكيد إذ لا أثر لتأكيده على تأكيد الإنشاء
هو
(سماحة المفتي).