الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٩٣أكل الطيبات (1)
الأطعمة
293
يقول الله تبارك وتعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
ارتباط الآية بما قبلها:
هذه الآية فصلت عما سبقها ولم تعطف عليها لأجل ما بينهما من كمال الانفصال، ومهما يكن فإن التناسب بينها وبين ما سبقها واضح، ذلك لأن الله الله أباح لعباده - وهم مطلق البشر - فيما سبق أكل الطيبات من الرزق، وحذرهم من اتباع مسالك الغي والضلالة بتقليد الآباء والرؤساء في تحريم ما أباح الله من الطيبات وتحليل ما حظر من الخبائث، وضرب مثلاً لأولئك من ينعق بمن لا يسمع دعاء ولا نداء، ثم وجه هذا الخطاب من بعد لعباده المؤمنين، والخطاب السابق وإن كان شاملاً لجميع طوائف الناس، بحيث يدخل فيه المؤمنون وأهل الكتاب والمشركون على الصحيح، فإن تخصيص هذا الخطاب بالمؤمنين لأجل التنويه بمكانتهم، والتعريف بقدرهم، ومن ناحية أخرى فإنه يحتمل - كما قال بعض المفسرين - أن يكون وضع المؤمنين في الرغبة فيما عند الله واحتقار الدنيا بجانب الدار الآخرة التي هي منتهى الترحال، والتي أعد الله فيها لعباده المتقين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من دواعي الصدود عن تناول كثير من الطيبات التي خلقها الله الا الله في هذه الأرض لعباده، فبينت لهم هذه الآية الكريمة أن الطيبات لا ينبغي
(1) أصل هذه المادة تفسير الآية (172) من سورة البقرة من دروس التفسير التي يلقيها سماحة المفتي العام للسلطنة أحببنا إلحاقها بالكتاب إتماماً للفائدة.