الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٣٠٧الأطعمة
307
الروح على جان بالجسد، وقد رأوا فيما تدعو إليه ديانتهم وفيما كان عليه
السيد المسيح علي وحواريوه من الزهد والعزوف عن الدنيا ما يؤيدهم
هذا المسلك.
على
توقي الشبهات
والله الله ـ بما أنه جعل هذه الأمة أمة وسطاً ـ لم يجعل شأنها شأن البهائم في التهام الملذات وتناول أنواع المطعومات على اختلافها، واتباع الشهوات بأصنافها، ولم يجعل أيضاً شأنها شأن أولئك المحرومين من طيبات الجسد، وإنما جعلها أمةً وسطاً تراعي مطالب الروح ومطالب الجسد، فكلا المطلبين وُفِّي حقه في ملة الإسلام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]، والمفروض على هذه الأمة أن تتحرى الحلال الطيب في طعامها وشرابها وملبسها، وفي كل شأن من شؤون حياتها وأن تتجنب الخبيث، واتقاء الشبهات من أكبر الوسائل للمحافظة على المباحات واجتناب المنهيات، ففي الحديث الذي أخرجه الشيخان عن النعمان ابن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) (1) وقد كان السلف الصالح أحرص ما يكونون على اتقاء الشبهات، بل كانوا يتركون أبواباً من المباحات خشية الوقوع في المحرمات، كما روي عن عمر الفاروق إلى أنه قال: (كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الحرام)، فأين هذا المسلك من
(1) رواه البخاري في كتاب البيوع، باب الحلال بيّن (1946)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال، (1599).