الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٠٦

306

الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين

النعمة، فيتبين بهذا أن هذه الآية الكريمة سيقت خاتمتها مساق قول القائل «إن كنتُ أخاك فأحسن إلي» مع أنه يطالبه بالإحسان على أي حال، ولكنه يريد أن يهز من، عطفه، وأن يحرك مشاعره بقوله: «إن كنتُ أخاك فأحسن إليّ». وكما يقول السيد لمملوكه: «إن كنت سيدك فأطعني». فليس المقصود بذلك أنه لا يطالبه بهذه الطاعة إلا إذا كان سيداً له، ولكن المقصود بذلك أن ينبهه بأنه له سيد، وأن طاعته عليه واجبة.

وقد ذكر الإمام محمد عبده بأن هذه الآية لا يتصور معناها ومغزاها إلا من اطلع على تاريخ الملل في وقت ظهور الإسلام وقبل ظهوره، وأحوال أصحاب هذه الملل، فإن الناس في ذلك الوقت كانوا أصنافاً سواء المشركون أو أهل الكتاب وكانوا كثيراً ما يحرّمون على أنفسهم الطيبات، لا لاعتماد على حكم شرعي ولكن للانقياد للرؤساء والمتبوعين على طريق التقليد الأعمى، وقد كان النصارى من بين هؤلاء، يعتقدون أن التقرب إلى الله الله لا يكون إلا بإحياء الروح، وأن الروح لا تحيا إلا بإهانة الجسد، فلذلك كانوا يجتنبون كثيراً من الطيبات، ومن اجتنابهم لهذه الطيبات أن بعضهم كان يجتنب جميع المأكل والمشارب اللذيذة لأجل إهانة الجسد، وهذه هي درجة القديسين عندهم، وقد يجتنب أيضاً بعض هذه اللذائذ الطيبة كثير من القسيسين وغيرهم من علماء دينهم الذين لم يبلغوا إلى مرتبة القديسين، وهناك أيضاً أعمال يقوم بها عامتهم فيها تحريم طيبات أحلت لهم تحريماً موقوتاً، وذلك بالصيام، فقد كانوا يصومون صوم القديسين، ويصومون أنواعاً أخرى من الصيام، وهم في هذا الصيام كانوا تارة يحرمون على أنفسهم اللحم والسمن ويأكلون السمك، وتارة يحرمون أيضاً بجانب ذلك السمك والبيض. وقد استوحوا ذلك من آبائهم السابقين الوثنيين الذين كانوا أيضاً يمتنعون عن كثير من الطيبات لأجل إرهاق النفس بالتكاليف، وتقوية جانب