الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٣٩٥أحداً
الأطعمة
395
جهل حكم الخمر كان معذوراً إلا أن شربها أو سقاها لغيره أو حملها أو حملت إليه برضاه أو اشتراها أوباعها أو أكل ثمنها لثبوت لعن هؤلاء كلهم في الحديث الشريف، فعندئذٍ يضيق جهله ولا يعذر به، وكذلك إن صوب ممن فعل ذلك بحيث تولاه على فعله المخالف للحق، وكذلك إن تبرأ ممن أقدم على البراءة من هؤلاء أو وقف عنه وقوف دين بسبب براءته تلك، لأنه في جميع الأحوال يُعد مخالفاً للحق، ومثل ذلك إن اعتقد حلها أو قال ذلك؛ لما فيه من مخالفة صريحة للحق، وإذا قامت عليه الحجة بحرمتها بما في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو بمن نقل إليه من الثقات العدول حكمها منهما أو من أحدهما فلا يسعه عندئذٍ الإخلاد إلى الجهل والله أعلم.
هل الخمر نجسة؟
اختلف العلماء في الخمر وجميع المسكرات هل هي نجسة؟ فذهب جمهور أهل العلم من أصحابنا وغيرهم إلى نجاستها مستدلين بقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ … [المائدة: 90] وبما كان من كسر دنانها وإراقتها بعد تحريمها، ولست أرى في ذلك دليلاً لما ذهبوا إليه، أما الرجس فقد بيّنه قوله تعالى: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ} [المائدة: 90] وهو لا يدل على النجاسة الحسية، كيف وقد اقترنت بالميسر والأنصاب والأزلام ولا تعقل نجاسة شيء من ذلك، وإلا كان ما اكتسب بطريق الميسر من المال ينجس من لامسه، وكذلك الأنصاب والأزلام، وأما إراقتها في حين تحريمها فهو لا يعبر إلا عن المسارعة إلى امتثال أمر الله والإذعان لحكمه، وليس في ذلك ما يدل على نجاستها، بل دلالته على خلاف هذا الحكم أظهر، فإنها عندما أريقت جرت أنهاراً في طرق المدينة، وما كان لأصحاب