الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧فتاوى الزكاة
287
ففي
والله خالق الإنسان هو العليم بكل ما اشتمل عليه طبعه، وانطوى عليه وجوده جسماً وروحاً، قلباً وعقلاً وجداناً وفكراً غريزة وضميراً، فهو العليم بمنافعه الشخصية والنوعية ومضاره وقد شرع له في دينه ما يحميه من هذه المضار ويحوط منافعه بسياج محكم من العبادات والأحكام، فلذلك شرع الله إنفاق الأموال في أبواب البر، وعلى رأس ذلك الزكاة المفروضة فيها، هذا الإنفاق تحرير للنفس من سلطان حب المال إذا هي اعتادت عليه، ويشير القرآن الحكيم إلى الحكمة العالية في قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكَّهِم بِهَا} [التوبة: 103) فالصدقة تطهر النفس من الشح وحب الاستئثار، وتزكيها بما تغرس فيها من خصال الخير كحب الإيثار والرحمة والشفقة، وبهذا يتمساك المجتمع المسلم متحداً في المشاعر والأحاسيس، والآمال والآلام والمباديء والغايات، ويصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (1)، ولا غرو في ذلك، فإن الإسلام دين الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: (30) وهذا كله من دواعي الفطرة، فالناس خلقوا متفاوتين في المواهب الفطرية والكسبية، ولا غنى لأحد غيره من زيادة موهبة حتى تكون حياة هذا الجنس من الخلق حياة تعاونية اجتماعية لا يستقل فيها أحد بمصالحه عن بني جنسه، واختصاص الإنسان من بين سائر الكائنات في الأرض بشدة افتقاره إلى بني جنسه طبيعة ملازمة له منذ بداية وجوده، فالمولود من البشر أحوج من المواليد الأخرى إلى عظيم العناية والمبالغة في رعايته وهذا الأثر النفسي للزكاة ليس محصوراً في نفس المزكي فحسب، بل يتجاوزها إلى نفس المنتفع بالزكاة وهو الفقير (1) رواه البخاري ومسلم وأحمد.
منهم
عما اختص به