الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩١فتاوى الزكاة
291
بيانه من الحكم البالغة التي تعود مصلحتها إلى الإنسان فرداً ومجتمعاً، سواء كانت هذه المصلحة تتعلق بتهذيب نفسه أو قضاء حاجاته، فإن هذه الحكم نفسها هي القطب الذي تدور عليه أحكام الربا، فما كان تحريم الربا إلا لكبح جماح الشهوة المالية في النفس وإيجاد جو إنساني تسود فيه الرحمة والعطف والحنان والمودة والوئام بين أفراد الأمة أغنيائهم وفقرائهم، فالأغنياء يقضون حاجات الفقراء بالصدقات والإقراض، ولا يجعلون من تلكم الحاجات شباكاً لاصطياد أموالهم وانتزاع ثرواتهم، حتى يخرجوا منها صفر الأكف، ولم يقتصر الشارع الحكيم في تحريم الربا على جنس دون آخر، وما كان ذكره لبعض صنوف المال إلا لكون تلك الأصناف هي مدار حاجة الناس يومئذ، ولا يعني ذلك بأي وجه من وجوه الدلالة الشرعية تخصيص حكم الربا بها، والأمة فهمت من قوله: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (1) أن اتحاد الجنسين ـ أي جنس المبيع والثمن - موقع في الربا، إن لم يكن البيع يداً بيد، حتى أن علماءنا - رحمهم الله ـ شددوا في بيع الأجناس المتقاربة في الوصف بعضها ببعض ـ وإن لم تكن من نوع واحد - إلا أن يكون البيع يداً بيد، قال الإمام السالمي العإلى:
ولا يباع التمر بالزبيب نسيئة والأرز بالحبوب والسمن بالأوداك والورس بما شابهه كالزعفران فاعلما
مع
أنه
من المعلوم أن السمن والأوداك، والورس والزعفران لم ينص
عليها بأعيانها في الحديث.
(1) رواه الإمام الربيع ورواه مسلم وأبو داود وأحمد بلفظ: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا
كيف شئتم إذا كان يداً بيد».