الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥١٣الإسبال:
بحوث
513
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن صدق الإيمان يبعث الإنسان المؤمن إلى أن يصوغ حياته وفق المبادئ التي آمن بها، ولو كان في ذلك خروجه من أحب شيء إليه، وأشد الأمور اتصالاً ببيئته التي نشأ فيها وتقلب في أكنافها، ومن ثم كانت تلكم النقلة البعيدة للمؤمنين الأولين من حياة الجاهلية التي نشأوا عليها، إلى حياة الإسلام التي صاروا إليها، فقد أداروا ظهورهم لكل ما هو جاهلي، وأقبلوا بوجوههم إلى كل ما هو إسلامي، مهما كانت ألفتهم لما أداروا له ظهورهم ومشقة ما أقبلوا عليه بوجوههم ولا غرو فقد رضوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً وبالقرآن حجة ودليلاً: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فقد ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]، وما كانوا يفرقون في الدين بين جزئي وما هو كلي، أو بين ما هو جوهري وما هو شكلي، لأن الكل من
211
ما
هو
الدين الذي فرضه الله فلا مناص عن تقبله والرضوخ له، وبهذه الروح الإيمانية الدافقة بالحياة العملية المجسدة لشرع الله كان ذلكم السلف العظيم أمة مثالية خضعت لها رقاب الأمم، وأسلمت لهم الدنيا قيادها، وعندما أخذ ذلك المد الإيماني ينحسر في الخلف - الذين حملوا أمانتهم فلم يحملوها حق حملها، ولم يقدروها حق قدرها ـ أخذوا يفرطون في كثير من واجبات الدين، مدعين تارة أنها من شكلياته وليست من جوهرياته، وتارة أنها لا تتلاءم مع روح العصر ومقتضيات الحضارة الحديثة، كأن الإسلام ـ دين الله الحق الذي وسع السموات والأرض - لم يتسع لمتطلبات هذا العصر