الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٨٤

???

الفتاوى

الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج

مسجد الضرار (1)

الوصية لا تغير حكماً من أحكام الشريعة، فلا تُحلُّ حراماً ولا تحرم حلالاً، ولا تُحِقُّ باطلاً ولا تُبطل حقاً، فكما لا يجوز للإنسان أن يعتدي في حياته على ملك غيره فيبني في أرضه مسجداً بغير إذنه، كذلك حكم الإيصاء به، فلا تثبت به الوصية إن أوصى به بعد مماته، وكما لا يجوز بناء مسجد يؤدي إلى مضارة أحد بعينه أو بمصلحة عامة للناس، فكذلك الوصية به بعد الوفاة، وكما لا يحل لأحد أن يبني في حياته مسجداً بجوار مسجد يضر به ويفرق جماعته، كذلك الوصية به لا تصح ولا يجوز إنفاذها، إذ لا فرق في مثل هذه الأمور بين أن يفعلها الإنسان بنفسه أو أن يفعلها الإنسان بنفسه أو يوصي بها بعد موته، لأن الوصية شرعت لتكون قربةً إلى الله يستدرك بها الإنسان بعد مماته ما فاته من صنيع الخير في حياته، ليكون رصيداً يُحسب له يوم الحساب، فكيف يباح ويصح الإيصاء بما خالف الحق؟!

وبناء المساجد من القربات التي تزيد في الإيمان، ويرتقي بها صاحبها أوج معارج الفضل، قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَيْكَ

صلے

أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من بنى الله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة» (2)، وبما أنه من القربات إلى الله فإنه يجب أن يكون مضبوطاً بضوابط الشرع، غير خارج عن حدود الله، فإن كلَّ عمل خرج عن حدود الله أدى إلى سخطه ـ والعياذ بالله ـ، من أجل ذلك نزل ما نزل من التشديد في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في عهد

(1) أصل هذا البحث جواب عن سؤال فيمن أوصى ببناء مسجد بقرب مسجد عامر.

(2) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني والبزار وغيرهم.