الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٠٨608
الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
ذكرناه من بعض آرائه وآراء أصحابه شاهد على أنهم تركوا الأخذ بأحاديث صحت أسانيدها لاعتبارات عولوا عليها.
وأما الإمام أحمد الذي هو إمام مدرسة الحديث، فقد رد أحاديث رويت بأسانيد صحاح، أخرج بعضها بنفسه كما أنها عند الشيخين وغيرهما، وذلك من أجل اعتبارات انقدحت في ذهنه فاستساغ بها ردّ تلكم الأحاديث، ومن شواهد ذلك أنه روى بنفسه وروى الشيخان من طريق أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يهلك أمتي هذا الحي من قريش»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «لو أن الناس اعتزلوهم فقد قال ابنه عبد الله قال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث؛ فإنه خلاف الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك اشتد إنكاره حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وقد حكى عنه النووي في «شرحه على صحيح مسلم إنكاره لصحة هذا الحديث رأساً. هذا مع أن الحديثين يؤيدهما الواقع، ويتفقان مع دلائل القرآن، وينسجمان مع أصول الإسلام. وكان من مذهبه استحباب صيام يوم الثلاثين من شعبان ـ وهو المعروف بيوم الشك - إن حال دون رؤية الهلال قبله قتر أو غيم، حتى أن كثيراً من أصحابه كانوا يرون أن مذهبه وجوب الصوم في هذه الحالة، ثبت من الروايات المتعددة التي وردت بشتى الطرق وقد بلغت مبلغ الصحة، مشددة في صيام هذا اليوم وآمرة بإتمام العدة ثلاثين في حال الغيم. وقد أطال ابن تيمية في «فتاواه» في الانتصار لمذهب إمامه أحمد أن صيام ذلك اليوم مستحب في حال الغيم وكل مستنده إنما هو القياس والنظر.
ما مع