الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٠٢102
الفتاوى العقيدة
كيف نوفق بين الرجاء والخوف؟
نوفق بين الرجاء والخوف بأن يتصور أحدنا أنه ماش في طريق، تفترق إلى اتجاهين أحدهما إلى ذات اليمين والآخر إلى ذات الشمال، ولا يدري إلى أيهما ينتهي به السير هل يوفق فيسلك ذات اليمين أو يخذل والعياذ بالله - فيسلك ذات الشمال؟ فهو يرجو ويأمل أن يوفقه الله الا الله لأن يسلك الطريق التي تؤدي به إلى رضوان الله ويخشى كل الخشية أن يخذل فيسلك الطريق التي تؤدي به إلى سخط الله، وإذا كان الإنسان في هذه الدنيا إذا وعده وتوعده حاكم من حكامها، قادر على إنفاذ وعده ووعيده فيه، فإنه يتقي ويحذر وعيده ويحرص على الفوز بوعده، ويبقى مشغولاً بما زاحم في نفسه من رجاء الوعد وخوف الوعيد، فكيف والواعد المتوعد هو الله، الذي لا تبديل لكلماته ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا إخلاف لميعاده، فجدير بالإنسان أن يكون في هذا الموقف جامعا بين الخوف والرجاء، ثم لينظر الإنسان حاجته إلى النعيم، فمن منا لا يحتاج إلى الشربة الباردة، أو إلى الهواء الصافي، أو إلى الغذاء الطيب، وكلنا نخشى مما يؤذينا في هذه الحياة الدنيا، فكل منا يخشى حتى لسعة البعوض وقرصة النمل، فما بالكم والنعيم الموعود به هو نعيم الجنة، ومن منا لا يحتاج إلى الجنة التي أعدت للمتقين، ولا يبلغ تصور العبد وخياله إلى كنه ما أعده الله لهم فيها ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ هُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17] تبشرهم ملائكته قبل دخولها بقولهم: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيَ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: 31)، وإذا كان هذا هو وعد الله فإن وعيده إنما هو بعذاب النار - والعياذ بالله - وهولها لا يكتنه ولا يتصور، فمن الذي لا يكون ـ إذا راجع نفسه - موازنا بين خوفه ورجائه في مثل هذه الحالة والله أعلم.