الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٤٠٥الإيمان بالرسل
الجزء الأول
405
وإذا كنا نحن نُقدّس جميع هذه الرسالات ولا نَجْتَرِئُ على رِسالة سَماوِيَّة من رسالات الله تعالى، ونُؤمن بجميع أولئك المرسلين ونعتبرهم لنا أَئِمَّة في الهُدَى وقدوة في الاهتداء فإنَّ على كل من آمن برسالة سَمَاوِيَّة فيما يزعم أن يُشَارِكَنا في هذا الأمر، وألا يَجْتَرى على أي شيء من مقدَّسَاتِنا،
وألا يَجتَرِئ على النَّيْل من مَقَام هذه الرسالة التي بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مِن قَدْرِ المُرسَل عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. ثُم مع ذلك نحن نجد أن هذا الكتاب الخاتم الذي أَنزَلَه الله على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام - جعل لأهل الكتاب مَكَانَة خاصة، فالله - تعالى - يقول: ﴿وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 446، بل وصل الأمر إلى أن يفْرَحَ المسلمون بانتصار الروم النصارى على الفرس المَجُوس عندما كانت الحرب الضروس تدور بين الإمبراطوريتين الكُبْرَيَيْن اللتين كانتا تتقاسَمَان مُعظم العالم المتحضر في ذلك الوقت، فقد حزن المسلمون عندما هزم الروم النصارى بِسَبَبٍ كَوْنِهِم أهل كتاب، وقد أنزل الله في ذلك ما يدلُّ على أنَّ المقاييس ستنقلب، وأن الموازيين ستتبدل، وأنَّ الغالب سيكون مَغْلُوبا، والمنتصر سيكون منتصرا عليه، والمنتصر عليه سيكون منتصرا وذلك في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يشاهُ﴾ [الروم: 2 - 5]، فهذا مِمَّا يَجب أن يعتبر به الآخرون، وأن يُدْرِكُوا أَنَّ الإسلام لا ينال من أي رسالة من رسالات الله بل يَفْرِضُ الإيمان بها جَميعاً على أتباعه، فَمِن هُنَا كانت المعاملة بالمثل ضرورة ملحة، ولا نرضى
بالاجْتِرَاء على أي شيء من مقدَّسَاتِنا، ولا نقر ذلك أبداً والله المستعان.