الفتاوى - العقيدة ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٥الولاية والبراءة
الجزء الثاني
265
«إن» من مثل هذا التركيب لا يؤدي إلَّا إلى تنافر الكلامين وتفكك الجملتين حتى يفقد الكلام انسجامه ولا يعوض «إن» في مثل هذا إلا الفاء الدالة على ما يكون في ذلك انحطاط التعبير عن ذروته كما قال بشار من
مع
السببية وأنت تدري ما بين السببية والتعليل من التآخي والتوأمة.
فإن قيل: إذا سلم لهذا كله فلا يسلم أن هذا الحكم مشروع لنا فإن هذا الخطاب إنما خوطب به رسول آخر غير الرسول الذي تعبدنا بشرعه، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا. قلت: كلا، بل هذه من الأصول الثابتة التي تشترك فيها جميع شرائع الأنبياء، وهي مما تضمنه أمر الله لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله: أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَتْهُمُ اقْتَدِهُ} [الأنعام: 90] فإن التوحيد والأخلاق لا يطرأ عليهما النسخ والغيرة على دين الله والغضب له تعالى من قواعد الدين التي لا تتزعزع في أي شرع وهذا ما أكده قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] ومحادة الله كما تكون بالقول والاعتقاد تكون بالعمل والسلوك فتندرج فيها كبائر الأثم إذا أصر عليها صاحبها كيف وقد قال الله تعالى:
فليس
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] ويعضد هذا موقف نبينا الله من أصحاب الكبائر فإنه إن لم يكن صريحاً في البراءة منهم يصح في الأذهان شيء، وقد أمرنا الله بالتأسي به في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وهاكم صوراً من مواقفه الله من أهل الكبائر.