الإباضية أهل الحق والاستقامة محمد نمر المدني [دارس عن الإباضية]

الإباضية أهل الحق والاستقامة

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

الإباضية أهل الحق والاستقامة

الطور الثالث: يبتدئ من حوالي أكتوبر 1916 م، وينتهي إلى يوم اعتراف إيطاليا بحكومة طرابلس الجمهورية الوطنية، وإمضاء قانونها الأساسي في 21 أبريل 1919 م.

و في كل هذه الأطوار كان لسليمان البارونى مواقف ومعارك، وبذل وفداء.

لقد بذل الطليان جهداً ومالاً وأرواحاً في سعيهم لاحتلال إقليمي «طرابلس» و «برقة»، فما نالوا بعد حرب سبع سنين تعاقب فيها الكر والفر، سوى بضع مدن على الساحل، لم تستطع أن تمنحهم الأمن والطمأنينة، ولا الانتصار الساحق الذي ظنوه أول الأمر.

سعى الإيطاليون إلى تقسيم آراء المجاهدين عن طريق المفاوضات والحرب في آن واحد، فاتفق العرب والطليان على قاعدة للصلح هي منح الشعب الطرابلسي دستوراً يخوله مباشرة حقوقه المدنية والسياسية، ويعطيه الحق في القيام بواجباته الكبرى مثل الشعوب المتمدنة، وتم في الأول من مايو 1919 م وضع القانون الأساسي، وعين بموجبه أعضاء حكومة القطر الطرابلسي، وهم ثمانية. لكن المجاهد سليمان الباروني الذي آمن بالاستقلال أو الانضواء تحت دولة إسلامية، اعتذر عن الدخول في هذه اللعبة رغم الإلحاح عليه وحجته في ذلك أنه عثماني، ويريد الاحتفاظ بعثمانيته، وبوظيفته في مجلس الشيوخ العثماني.

وما لبث أن غادر الباروني طرابلس إلى الأستانة في نوفمبر 1919 م، ولكن صادف قدومه إليها انقلاب الكماليين بقيادة مصطفى كمال أتاتورك عدو الخلافة الإسلامية، فخابت آماله، وعاد أدراجه إلى طرابلس مع مطلع العام الثاني بعد أن لبث بها ثلاثة أشهر.

عاش سليمان الباروني بعد عودته إلى طرابلس بعيداً عن السياسة وأضوائها، وتوالت الدسائس مرة أخرى ضد الباروني الذي اتهم بإحداث الفتنة في صفوف المواطنين. فلم تلبث السلطات الإيطالية أن طلبت منه مغادرة البلاد سنة 1922 م، وتحت المؤامرة والتهديد غادر وطنه دون أن يودع أهله وأولاده.

حملته

ريح الاغتراب مرة أخرى إلى الأستانة، ثم إلى أنقرة، ولم يستقر به المقام هناك بسبب تغير الحكام، فحاول السفر إلى الشام أو مصر أو تونس أو الجزائر، لكن الاستعمار الانجليزي والإيطالي والفرنسي أجمع على محاصرة سليمان الباروني، فلم يجد حيلة سوى التنكر تحت جواز سفر مغاير لاسمه، فانتقل إلى باريس، ولكن ما إن تفطنت الحكومة الفرنسية إليه حتى فرضت

148