دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ١١٥ـــــرم … فيه الكلام يكن من السّفهاء(1)
في هذه النّداءات المتساوقة تكمن المفارقة، التي تبطن الأسى والحزن والحسرة من هذا المصير والعاقبة الوخيمة التي آلت إليها الصّحافة الوطنيّة، وصوت الحرية، ولسان المستضعفين والمقهورين؛ ولهذا لا يمكن لأيّ مخلوق أن يطلق أيّ صوتٍ، وإلاّ عُدَّ من السّفهاء. وإن كان الكاتب بهذا الأسلوب، أسلوب المفارقة، يدعو إلى غير ذلك، أي عدم الرّضوخ لهذه التّهديدات، وعدم الاستسلام لهذه الممارسات. هذه إحدى وظائف السّخرية. إثارة المشاعر، وشحذ الهمم بطريقة خفية غير مباشرة.
لجأ الكاتب إلى هذا الأسلوب؛ اتّقاء لحساسية النّاس، وتجنّبا لإثارة حفائظهم، وهروبا من لفت نظر المستعمر إلى ما يدعو إليه، حتىّ لا يفسد عليه خطّته في النّهوض بمجتمعه. وقد اختار أن ينبّه إلى هذه المفارقات تنبيها لطيفا فيه التّورية والتّلميح والتّعريض. هذه هي السّخرية عينها، إنها: " تقوم على التّورية والتّعمية والإيلام غير المباشر كالسّهم المميت، الذي لا يظهر أثره إلاّ بعد أن يكون قد تمكّن من الرّمية كلّ تمكّن، من غير أن تفطّن له في أوّل الأمر"(2).
لم يكن الشّيخ أبو اليقظان بدعا من الأدباء، الذين سلكوا هذا المسلك، وانتهجوا هذا الأسلوب، بل وجد من سلك هذا السّبيل نفسه، يقول د. محمد ناصر: " فإنّ في أخلاق المجتمع ما يدعو الكتّاب إلى معالجتها في بعض الأوقات بمثل ذلك الأسلوب، وكأنّهم يقابلون سخرية النّاس بالقيم وبالمبادئ، بسخرية مثلها، أو كأنّهم يضطرّون إلى مثل هذه الوقفة إذا أعياهم القول الجاد والنّظرة الصّارمة "(3).
(1) - ديوان أبي اليقظان ج1، ص:198
(2) - د. نعمان محمد أمين طه، السّخرية في الأدب العربي، ط1، دار التّوفيقيّة للطّباعة بالأزهر، القاهرة، سنة 1399 هـ/1979، ص:196.
(3) - د. محمد ناصر المقالة الصّحفية الجزائريّة، نشأتها وتطوّرها وأعلامها (1903 – 1931) مج2. (ش. و. ن. ت) الجزائر، سنة 1398هـ/1978م، ص:192