إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٣من
شأنها أن تدعم حضور الدولة وهياكلها في كل جهة من الجهات الداخلية وتعمل على تحييزها وإضعاف متانة الحياة الجماعوية ونزعتها الاستقلالية فيها. ولتحقيق ذلك كانوا يجدون دائما أعيانا في الجهة مستعدين للانخراط في المشروع التحييزي هذا. ففي جزيرة جربة وجدوا أعيان عائلة ابن جلود في مرحلة أولى ثمّ في مرحلة موالية مع منتصف القرن الثامن عشر اعتمدوا على أعيان آل ابن عياد. كما أنهم وجدوا لنفس الغرض أعيان أولاد الهادف في توزر بالنسبة إلى منطقة الجريد وأعيان الحمارنة في منطقة الأعراض والأمثلة عديدة بالنسبة إلى كل جهة من جهات البلاد التونسية. وفي كل الحالات كان هؤلاء الأعيان يعملون، بانخراطهم في مشروع بناء الدولة الحديثة، على تدعيم نفوذهم المحلي بمعاضدة عملية تكثيف حضور المركز في إطار المجموعة المحلية التي ينتمون إليها. وبفعلهم ذلك كانوا يضعفون في نفس الوقت مقومات الحياة الجماعوية في جهتهم. وهنا تكمن المفارقة التي كان يعيشها الأعيان بصورة عامة في إطار الدولة بالمعنى الحديث للكلمة: فمن ناحية نجدهم يؤسسون لنفوذهم داخل مجموعاتهم من خلال الدفاع عن مصالحها وخاصة عن استقلاليتها في تسيير شؤونها الداخلية وكذلك بالدفاع عن مصالح أفرادها لدى السلطة المركزية، ومن ناحية ثانية، نراهم يتحالفون مع هذه السلطة في إطار استراتيجية من أجل المراهنة على مكانة مرموقة داخل مجموع والتفوق على المنافسين لهم من بين الأعيان المحليين حتى يتسنى لهم استقطاب النفوذ المحلي والسيطرة على مؤسساته. والكتاب الذي هو بين أيدينا يشرح بوضوح هذه الدينامكية التي عرفتها الحياة الجماعوية في جربة خلال العهد الحديث وكذلك الدينامكية التي شهدتها الظاهرة الأعيانية فيها أيضا.
عاتهم
عبد الحميد هنية
تونس، في 5 ديسمبر 2005
13