إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٢عرف بذلك كيف يجعل الجانب العقائدي والمذهبي مفسرا للواقع المعاش. فجعلنا نفهم لماذا كان يتشبث أهل جربة بالمذهب الإباضي، ونرى أن هذا التفكير والمؤسسات المنبثقة عنه ليست جامدة بل هي متحركة ومتغيرة بعلاقة وطيدة مع تقلبات الظرفية الخاصة بالجزيرة والظرفية العامة التي عرفتها التركيبة الاجتماعية والسياسية بالبلاد التونسية.
قدم لنا الباحث نظرة تفهمية لحقيقة الظاهرة الإباضية وارتباطها بالواقع الاجتماعي والسياسي. فتمكن بذلك من متابعة مجالات التمفصل بين هياكل السلطة المركزية ومؤسساتها من ناحية والمجموعات المحلية الإباضية من ناحية ثانية. وطرح الكاتب مسائل تاريخية مهمة، فأعاد تصور نظام العزابة الذي يمثل العمود الفقري لتنظيم المجموعات المحلية الإباضية بجربة ولدى مثيلاتها في الشمال الإفريقي عموما. وكانت هياكل العزابة ومؤسساتها تتولى تنظيم النشاطات الاقتصادية لأهل جربة في الداخل وعلى مستوى الشتات وتتعهد بالقيام بدور المحرك للعلاقات الاجتماعية المتمثلة في ظاهرة التضامن والتآزر بين أفراد المجموعات الإباضية.
وعموما هذا العمل الذي أنجزه الأستاذ محمد المريمي مفيد جدا ومحفز على مواصلة البحث في ذات الوقت. إذ يجعلنا نفهم لا واقع الحياة الجماعوية في جزيرة جربة فحسب بل أيضا مسار الظاهرة الجماعوية في إطار صيرورة بناء الدولة الترابية بصورة عامة.
إن سياسة تحييز التراب والعباد التي سلكتها السلطة المركزية في البلاد التونسية طيلة العهد الحديث لم تكن موحدة بالنسبة إلى كافة النواحي الداخلية بل هي مختلفة حسب الواقع المعاش فيها. لم يكن المسار السياسي الذي سلكه البايليك مع أهالي جزيرة جربة و الجرابة الشتات» يشبه المسار الذي جربه لدى المجموعات الواحية في الجريد أو في منطقة الأعراض (قابس) أو لدى المجموعات القبلية الداخلية مثل ماجر والفراشيش إلخ … واضح أن الفاعلين السياسيين في المركز عملوا باستمرار طيلة العهد الحديث على استنباط التقنيات السياسية الملائمة التي
12