إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٥مقدمة
طبق الأتراك العثمانيون منذ انتصابهم في الشمال الإفريقي خلال القرن 16 سياسة تقوم على مركزية السلطة في مختلف الإيالات التي أحدثوها في المنطقة وأعطوا لتحركاتهم صبغة دينية فدخلوا البلاد «غازين» «فاتحين» ممّا أضفى على سيطرتهم الشرعية الدينية الضرورية واعتمدوا على المذاهب السنية المتشابهة في جوهرها وخاصة المذهب المالكي السائد في البلاد التونسية آنذاك نظراً لتعلّق أهلها به واعتماد الحفصيين عليه من قبل. فاستغلوا فترة حكمهم الطويلة مقارنة بفترات من تولّى البلاد التونسية قبلهم للقضاء على مختلف مظاهر المقاومة لسياستهم وما كان يبرّرها من نظم فكرية ومذهبية واتخذت تلك المقاومة شكل النزعات الانفصالية و / أو التشبث بالحياة الجماعوية المتمثلة في وحدة القبائل ونظمها.
فأمكن للعثمانيين القضاء على الإمارة الشابيّة في القيروان قضاء نهائيا في سنة 1557 وكانت هذه الإمارة تعمل على بسط نفوذها على كامل مناطق الوسط طيلة ما يقارب العشرين سنة (1537 - 155) عن طريق إشاعة أحد المذاهب الصوفية لأهل السنّة والمتمثل في الطريقة الشابية).
ونجح الأتراك في القضاء على الحياة الجماعوية في الجريد بتخلّي أهل المنطقة عن نزعتهم الانفصالية عن السلطة المركزية ووضع حدّ لهياكل النفوذ المحلّي بداية من منتصف القرن 19 (2).
وتدخل الأتراك أيضا بصورة عنيفة مستبدة في حياة القبائل أثناء «ثورة 1864 لوضع حدّ لوحدة مجتمعاتها المتمردة على السلطة المركزية ونظمها (3) واصطدم الأتراك العثمانيون منذ القرن 16 بهياكل النفوذ المحلّي للمجموعات الإباضية في جزيرة جربة، فاتخذوا من المذهب المالكي هناك أداة أدوات تثبيت سلطتهم وتشبّث الإباضية في المقابل بمذهبهم المنتسبين إليه
من
15