إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٢٨٠18
جميع مستويات المجتمع الإباضي في الجزيرة بما فيها الميدان التجاري نفسه فكانت هياكل النفوذ المحلي والفئات الشعبية تصرح بانتمائها إليه ومنذ أن فقد أهل جربة وضع المشيخة في الجزيرة كنتيجة لما سبقه من انشطار في نظام العزابة في عهد علي باشا وخاصة منذ عهد حمودة باشا وعلى امتداد القرن 19 حدت الهياكل المحلية بما فيها هياكل الشتات من الاختراق الكامل للمذهب الإباضي في حياة أهل جربة (وهو ما كانت تطلبه السلطة المركزية نفسها وتعمل على تحقيقه) فأزالت تلك الهياكل التفكير المذهبي الإباضي من التعامل السياسي بينها وبين السلطة المركزية وحل محله الانتساب إلى جربة «الجربي» واقتصر استعماله على الميادين الاجتماعية والاقتصادية والفكرية … وواصل أهل جربة «الشتات الاعتماد على حياة جماعوية قوامها التنظيم المستند إلى الروابط الفكرية الإباضية وعلى التحكم في سوق العمالة وفقا لنفس المستندات فسخّر أعيان جربة مختلف الوظائف التي كانت تسمح بها تلك السوق لأبناء الجزيرة من الإباضية دون غيرهم وبذلك وضعوا الحياة الجماعوية القائمة في بادية جربة حول المؤسسات الدينية في خدمة النشاط التجاري لأعيان جربة الشتات على امتداد الفترة التي تهمنا.
لم تحقق السلطة المركزية للأتراك العثمانيين في تعاملها مع «أهل جربة» من النتائج إلا ما كانت تسمح لها به ميادين ارتكازها في الجزيرة. ولئن حققت بعض النجاحات في المجال السياسي من خلال ما أحدثته من انشطار في نظام العزابة بالقضاء على بعض المؤسسات السياسية الهامة التي كان يشغلها إباضية جربة مثل شيخ البلد» و «شيخ الجماعة واحتواء الذين كانوا يشغلون المؤسسات الدينية والمؤسسات الإدارية التي حافظ عليها البايليك الحسيني (مقدم الإقليم أو شيخ الخمس) فإنّها فشلت في القضاء على هيئات «الجماعة».
ولم يكن للفئات المالكية والحنفية المحظوظة التي اعتمدت عليها السلطة العثمانية من الأملاك والنشاطات الاقتصادية ما سمح لها باكتساب ثروة تمكنها من القوة التي تجعلها تنافس الفئات الإباضية ولم تكن الإقطاعات المسندة إلى جيش زواوة ولا الإجراءات الإدارية التي مكنت الأعشاش من الاندماج في المجتمع الجربي كافية لإضعاف الحياة الجماعوية القائمة على الروابط المذهبية وروافدها (القرابة والجوار … ) بين أهل جربة الإباضية.
280